فوائد الرضوية

فوائد الرضوية - الهمداني، آقا رضا - الصفحة ٤٢

الخلاف فواضح و أمّا مع التّرديد أيضا فكذلك إن لم يدلّ دليل عقلي أو نقلي على لزوم الاحتياط لما تقدّم مرارا من استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان و لا بيان في الفرض حيث إنّ كون الأفراد الواقعيّة مرادة بالنّهي لا يصلح أن يكون بيانا للحكم فيما يحتمل كونه منها و لا دليل غيره يقتضي وجوب الاحتياط عدا قاعدة وجوب دفع الضّرر المحتمل و قد عرفت غير مرّة أنّ قاعدة قبح العقا ب بلا بيان واردة على القاعدة المزبورة فيكشف ذلك عن أنّه لا قبح في المخالفة حينئذ و إلاّ لاستحقّ اللّوم و المؤاخذة عليها ففي المثالين المزبورين لو شرب العبد ما احتمل احتمالا بدويّا غيره مقرون بعلم إجمالي كونه سكنجبينا أو أدخل من احتمل كونه زيدا يعذر في فعله و إن صادف الحرام الواقعي و أمّا لو علم بأنّ أحد الإناءين سكنجبين فشربهما عن عمد و اختيار أو علم بأنّ أحد الشّخصين زيد فأدخلهما في الدّار لا يستقلّ العقل بقبح مؤاخذته إذ لا يتمشّى حينئذ قاعدة قبح العقاب بلا بيان إذ المفروض علمه بحرمة شرب السّكنجبين أو إدخال زيد الصّادر منه اختيارا فليس في المقام ما يصلح أن يكون عذرا له إلاّ جهله حين ارتكاب كلّ من المشتبهين بأنّه بالخصوص هو الّذي تعلّق الغرض بتركه و لا يستقلّ العقل بأنّ هذا الجهل صالح لأن يعتذر به في المخالفة بل إمّا مستقلّ بعدم صلاحيّة لذلك و أنّ إدخال زيد المردّد بين شخصين الحاصل بإدخال كلّ منهما ليس إلاّ كإدخاله حال كونه معروفا بشخصه في كونه مخالفة عمديّة موجبة لاستحقاق المذمّة و العقوبة أو متوقّف في ذلك و على الثّاني أيضا يستقلّ بلزوم تركه بترك إدخال كلّ من الشّخصين دفعا للعقوبة المحتملة و لكن على هذا التّقدير لو صدر من المولى الرّخصة في إدخال كلّ من يحتمل كونه زيدا ما لم يعرفه بشخصه لا يكون منافيا للحكم العقلي بل يكون واردا عليه و أمّا على التّقدير الأوّل أي استقلال العقل بقبح المخالفة العمديّة الإجماليّة و كونها كالمخالفة العمديّة التّفصيلية معصية للمولى فلا يجوز أن يصدر من المولى الرّخصة في ارتكاب كلّ من المشتبهين إلاّ إذا رفع اليد عن حكمه الواقعي في صورة الاشتباه و خصّصته بما لو كان موضوعه معلوما بالتّفصيل لا لمجرّد كونه إذنا في المعصية الّتي استقلّ العقل بقبحها بل لأنّ إذنه بشرب كلّ من الإناءين الّذين يعلم بأنّ أحدهما سكنجبين مثلا يناقض المنع عن شرب السّكنجبين المردّد بينهما على سبيل الحتم و اللّزوم فلا يعقل أن يتعلّق طلب حقيقي حتميّ بترك شرب السّكنجبين المردّد بين الإناءين مع الرّضى بشرب كلّ منهما إلا على تقدير اختلافهما في المرتبة بأن لم يكن النّهي المتعلّق بشرب السّكنجبين منجّزا في حقّه بأن كان معذورا في مخالفته كما في المشكوك بالشّكوك البدويّة فحينئذ يجوز أن يكون تكليفه في مقام العمل مخالفا لما هو حكمه في الواقع كما عرفته عند التكلّم في توجيه نصب الطّرق و فيما علّقناه على أوائل المبحث و أمّا على تقدير عدم معذوريّته في المخالفة كما هو المفروض وجب عليه في مقام العمل الخروج عن عهدة ما هو تكليفه في الواقع فيمتنع حينئذ أن يتعلّق بفعله حكم يناقضه و ينافيه كما نبّه على ذلك كلّه المصنف رحمه الله بقوله الحكم الظّاهري لا يقدح إلخ ثمّ إنّ ما ذكرناه على سبيل التّرديد من أنّ العقل إمّا مستقلّ بجواز المؤاخذة أو متوقّف فيه فإنّما هو من باب المماشاة مع الخصم و إلاّ فلا ترديد في ذلك أصلا بل من ضروريّات العقل أنّه متى نهاه مولاه عن شي‌ء و لم يعتبر العلم التّفصيلي بذلك الشّي‌ء قيدا في الموضوع بل أراد تركه مطلقا وجب عليه ترك ما علم أنّه من أفراده و لو على سبيل الإجمال و هكذا الكلام في التّكاليف الشّرعية حرفا بحرف حتّى في ظواهر ألفاظه فكما أنّ المتبادر من قول المولى لعبده لا تشرب السّكنجبين إرادة النّهي الحقيقي الحتمي الّذي قصد به البعث على الكفّ عن الطّبيعة المنهيّ عنها مطلقا حين الابتلاء بها فكذلك المتبادر من نهي الشارع عن شرب الخمر أو نحوه ليس إلاّ ذلك فمتى علم المكلّف بأنّ الشّارع نهاه عن التصرّف في مال الغير من غير رضاه و وجد في صندوقه صرتي دراهم و علم إجمالا بأنّ إحداهما له و الأخرى أمانة عنده و لا يرضى صاحبها بأن يتصرّف فيها لا يجوز له بضرورة العقل صرف كلتيهما لا دفعة و لا تدريجا و لا يعقل أن يرخّصه الشارع في ذلك بعد نهيه عن التصرّف في مال الغير مطلقا إلاّ أن يقيّد الحرمة بما إذا كان مال الغير معلوما لديه بالتّفصيل و هو خلاف الفرض نعم يعقل أن ينصب الشّارع طريقا ظنيّا أو قاعدة تعبّدية من قرعة و نحوها لتشخيص ماله إذا اقتضت المصلحة لذلك على حسب ما عرفته في مسألة نصب الطّريق كما أنّه يعقل أن يقنع الشارع بالموافقة الاحتماليّة إذا كان في تحصيل القطع بالموافقة بالاحتياط أو المعرفة التّفصيليّة مفسدة منافية لما تعلّق به غرض الشارع من التّوسعة و التّسهيل و غير ذلك ممّا يقتضيه اللّطف و الامتنان فيترك المكلّف أحد المالين للودعي في المثال و يترك أحد الإناءين المعلوم كون أحدهما خمرا لاحتمال كونه هو ذلك الحرام المعلوم بالإجمال و يرتكب ما عداه برجاء أن لا يكون ذلك الحرام فيكون المتروك إمّا هو ذلك الحرام فيخرج بتركه عن عهدة التّكليف في الواقع و إمّا لا فيقع بدلا عنه في مقام عمله في كونه مبرّأ لذمّته عن ذلك التّكليف بعد أن علم أنّ الشّارع اكتفي في الخروج عنه بالموافقة الاحتماليّة و ليس شي‌ء من هذين الأمرين أي الأمر بسلوك طريق ظنّي أو قاعدة تعبّديّة لتشخيص الواقع أو الاكتفاء بالموافقة الاحتماليّة منافيا لحرمة ذلك الشّي‌ء في الواقع و مطلوبيّة تركه بل يؤكّدها و إلاّ لم يكن يوجب الموافقة الاحتماليّة الحاصلة بترك أحد الإناءين أو الظنيّة الحاصلة بسلوك الطّريق فنصب الطّريق لتشخيص الحرام و الإلزام بترك بعض أطراف الشّبهة لاحتمال كونه هو ذلك الحرام ليس منافيا لحرمة ذلك الشّي‌ء في الواقع من حيث هو بل هو من آثار كونه كذلك و عدم اختصاص حرمته بصورة العلم التّفصيلي غاية ما يلزم في المقام أنّه يجب أن يكون في رضا الشّارع بالموافقة الاحتماليّة أو سلوك الطّريق الظنّي مصلحة يتدارك بها مفسدة فوت ما تعلّق به غرضه من التّكاليف عند مخالفة الاحتمال للواقع و خطأ