سفينة النجاة و الكلمات الطريفة - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧١ - الفصل الثامن ذكر جملة من الآيات و الأخبار الدالة على إثبات المتشابه و بيان حكمه
أهل الحقّ- و الأحكام الشّرعيّة إنّما تراد معرفتها للعمل و حاجة المكلّفين إليها جميعاً سواء، فما الوجه في إخفاء بعض المسائل و إبهامه؟
فنقول: الحكمة في أكثر الأمور الشّرعيّة غير معلومة لنا إلّاأنّه يمكننا أن نشير- ههنا- إلى ما يكسر سورة استبعادك بأن نقول: يحتمل أن يكون من الحكم في المتشابه المحتاط فيه أن يتميّز المتّقي المتديّن- باحتياطه في الدّين و عدم رتاعه حول الحمى خوفاً من الوقوع فيه- ممّن لا يقوى له، و يجتري في الرّتاع حوله، و لا يبالي بالوقوع[١] فيه. فيتفاضل بذلك درجات النّاس و مراتبهم في الدّين؛ فكما أنّ تارك الشّبهات في الحلال و الحرام و كذا فاعلها في المردّد بين الفرض و النّفل ليس كالهالك من حيث لا يعلم، فكذا الهالك من حيث لا يعلم ليس كالهالك من حيث يعلم، فالنّاس ثلاث فرق مترتّبين.
و يحتمل أن يكون من الحكم في المتشابه المخيّر فيه أن يتوسّع التّكليف لجمهور النّاس بإثبات التّخيير في كثير من الأحكام، و هذه رحمة من اللَّه عزّوجلّ و به يختلف مراتب التّكليف باختلاف مراتب النّاس في العقل والمعرفة. و لعلّ أميرالمؤمنين ٧ إلى هذا أشار بقوله: «فلا تكلّفوها، رحمة من اللَّه لكم فاقبلوها».[٢]
و ما لا نعلم من الحكم أكثر ممّا نعلم.
ثمّ، نقول: و ممّا يعدّه أهل الاجتهاد من المتشابهات، و يجتهدون في تعيين الحكم فيه الأمر المردّد بين الوجوب و النّدب، و النّهي المردّد بين الحرمة و الكراهة. و عند إمعان النّظر يظهر أنّه لا تشابه فيهما؛ إذ المطلوب فعله أو تركه ممّا
[١] - م: في الوقوع.
[٢] - الفقية من لا يحضره الفقيه ٤/ ٧٥ ح ٥١٤٩.