نامه ها و اسناد سياسى - سيد جمال الدين اسد آبادى - الصفحة ١٦٩
من الدكن إلى كلكتا، واشتدت عليّ في السؤال والجواب، و كنت كل يوم متهما في تهديد تحذير. ولقد ضيقت علي مسالك الرحمة. وكلما كان صوت العرابي يزداد اعتلاء كانت الحكومة الانكليزية تزداد علي شدة، خصوصا عندما قال ذلك القوال المجازف: أنا أثير مسلمي الهند علىالانكليز، حتى أني من شدة تضييق الحكومة و عدم إصغائها إلى ما ألقي عليها من الأجوبة، طلبت منها اضطراراً (و فرارا من البلية ... إلى بلية أخرى) أن ترسلني الى الخديو، و رفعت مسألتي هذه إلى حاكم الهند، و هو وقتئذ في السِّمْلة [١]، فظللت منتظرا للجواب. و ظلت الحكومة في الخطاب والعتاب الى أن إنطفت الفتنة، فأطلقتني مع مراقبة أفعالي و حركاتي، ليلا و نهارا ... فلما رأيت أن المصائب كل يوم تكشر عليَّ عن أنيابها، و أن البلايا تفتح كل ساعة بابها، تفكرت في الرزايا التي جلبتها علىالغباوة والقسوة، و ترويت في أمري، و علمت أني لو أذهب إلى بلدي، و في العين قذى، و في الحلق شجى، و في الكبد أوار و في القلب نار مما أصابني، لا أجد فيه بين أهله، وكلهم مسلمون، من إذا قصصت قصتي، و كشفت عن غصتي، يئن علي، و يتوجع لي، و يأسف على مصابي، لأن المسلمين فطروا على جبْلة واحدة، و خلقوا من طينة متماثلة بلا اختلاف فيالطبيعة، ولا تغاير في السجية، لايستعظمون الضيم، ولايستوحشون منالظلم ولايرون الحيف فظيعا ولا العسف شنيعا ... [٢] فعزمت أن أذهب- و إن كنت صفراليدين خالي الراحتين- إلى بلاد فيها عقول صافية، و آذان واعية، و قلوب شفيقة، و أفئدة رفيقة، حتى أقص عليهم ما يجري على ابن آدم في المشرق. (و هذا هو سبب ذهابي الى بلاد الافرنج) [٣]، و أخمدالنار الملتهبة في قلبي من هذه البلايا، وأضع حمل هذه الهموم التي انقضت ظهري. و أنا إن مُتُّ فعلى الدنيا بعدي العَفاء، و إن بقيت فلا أعدم عقلا يرفق بي، ولا أفقد عدلا يحن علي- و هذا هو سبب ذهابي إلى بلاد الافرنج.
______________________________
[١]. العاصمة الصيفية للاقليم.
[٢]. كلمات غيرواضحة.
[٣]. عبارة مشطوبة.