نامه ها و اسناد سياسى - سيد جمال الدين اسد آبادى - الصفحة ١٦١
رسالة الى: رياضباشا
مولاى، ها أنا ذا اليومٍ في القنال أذهب إلى لندن، و منها إلى باريس مُسَلِّما عليكم، و مُمجِّداً إيَّاكم تمجيدا يكون إذا وجهته مقامكم، و كفاء لعلو شأنكم، و يعادل عظيم درجتكم في نزاهة النفس و طهارة السريرة و نقاوة السيرة، و يوازي جليل زينتكم من عقائل الصفات و كرائم الخلائق التي تدثرتم بها، مؤديا مدارج كمال صعدتم فيها بالعقل المطبوع، و قَصَّر الآخرون حقها- و بما فطرتم عليه من جبْلَة تأبى أن تقف علىالطوية دون أن تبطنها، و تستنكف إلَّاأن تخوضها و تكتنهها. لاشك أن المصيبةالعظمى التي رمتني، والبلية الكبرى التي أصابتني، قد أحطتم بها علما، وانكشف لكم باطنها عن ظاهرها، و سرها عن علنها، وظهرت لديكم خفيتها، و رفعتم عن ظل أستارها حقيقتها، و علمتم أنها كانت حَيْفاً على بريء، جلبت التهمة على نقى، و مابقيت إلى الآن تحت حندس الخفاء محجوبة عن بصيرتكم الثاقبة، ولا أكنتها عن بصرك النافذ في أطباق الحجب المظلمة أستار العمى- فإن عقلًا محضا، ولبا صرفا، مثلكم، لاتغُرَّنه الظواهر، ولايصغى الى نعق ناعق، ولايعير سمعه قول مجازف، ولاتحركه عواصف التقولات، ولاتتزغره هبوب الافتعالات، بل لايمشى فيالحوادث إلابنوره و هداه، ولاينقاد في الوقائع إلا إلى سلطان برهان أوضح له سبيل الحق و أراه- لأنه يعلم أن من يأخذ بالظاهر يغتر و يغر، والذى يتبع كل ناعق يغر نفسه ... [١] وكم أُلْبس الحقُّ لِباسَ الباطل، وكم ظهر الباطل بدثارالحق، و كم تَرَدى الجور برداء العدل، و كم عُلَم العدل بعلامة الجور- و حوشيت أن تكون منالذين عقولهم في آذانهم، و ألبابهم في حاشيتهم و بطانتهم، يعتقدون ما يقولون، و يقولون ما يسمعون،
______________________________
[١]. عبارات غيرواضحة لاتؤثر فيالسياق.