في رحاب أهل البيت: صيانة القرآن الكريم من التحريف - جمعى از نويسندگان - الصفحة ١٢٢

الإمامة، فالمهدي في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) هو الإمام الثاني عشر (عليه السلام)، بينما هو في مدرسة الجمهور مسألة مستقبلية صرفة؟

٣- و لما كانت المسألة المهدوية عند أهل البيت (عليهم السلام)، هي مسألة الإمام الثاني عشر الذي لا إمام للبشرية بعده، من هنا فقد اتّصف المفهوم المهدوي عندهم (عليهم السلام) بثلاث خصائص، هي: ولادة الإمام المهدي بنحو سرّي و مكتوم، و إمامته المبكرة، و غيبته المستلزمة لعمر مفتوح مع امتداد الزمن، و هذه الخصائص ثابتة بثبوت أصل الإمامة الاثني عشرية المعصومة، الذي تفرعت عليه، فضلًا عن الأدلة التفصيلية التي مرّ ذكرها واحداً بعد الآخر.

٤- إن هذه الخصائص الثلاثة ليست ثابتة بأدلة عقائدية و عقلية و وجدانية كافية، و لا يلزم منها أي إيراد عقلي أو ديني فحسب، و إنّما هي التي تمنح معنى الكمال للمفهوم المهدوي، و تجعله مفهوماً ذا قيمة عقائدية و معطيات إنسانية عالية و خلّاقة على الساحة الاجتماعية، تتكامل و تنسجم مع معطيات أصل الدين في الحياة الإنسانية.

______________________________
(١) الأنبياء: ١٠٧.

(٢) بحث حول المهدي: ٨٣ ٨٩ بتحقيق و تعليق الدكتور عبد الجبار شرارة.

(٣) اشارة إلى معتقد الإمامية الاثني عشرية المستند إلى أدلة المعقول و المنقول، و بالأخص إلى حديث الثقلين المتواتر «إني تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله و عترتي أهل بيتي». راجع: (صحيح مسلم: ٤/ ١٨٧٣، و راجع الصواعق المحرقة لابن حجر: ٨٩، قال: ثمّ اعلم أن لحديث التمسك بذلك طرقا كثيرة وردت عن نيف و عشرين صحابياً.

و كذلك إلى قوله (صلى الله عليه و آله) «لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ..» و إلى قوله (صلى الله عليه و آله): «الخلفاء بعدي اثنا عشر كلهم من قريش». و مفاد ذلك كله تقرير هذا المعنى.

(٤) تحدث النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه و آله) كثيراً عن خصائصهم و أدوارهم، و وظيفتهم و مهماتهم، و أنهم حملة الشريعة، و سفن النجاة، و أمان الامة، و عصمتها من الضلال، كما إليه الإشارة في حديث الثقلين، و حديث لن يفترقا و كلاهما يؤكدان عصمتهم، إذ لا يعقل أنهم عصمة الامة من الضلال، و أنهم لن يفترقا عن القرآن المعصوم، و هم غير معصومين!!

(راجع: (الاصول العامة للفقه المقارن، العلامة محمد تقي الحكيم، مبحث حجية السنة: ص ١٦٩ و ما بعدها.

(٥) أن يكون القائد التاريخي مهيئاً نفسياً و معداً إعداداً مناسباً لأداء المهمة، أمر مفروغ منه، و لو رجعنا إلى القرآن الكريم لوجدناه يتحدث عن هذه المسألة في تاريخ الأنبياء بصورة واضحة جدا، و بخاصة فيما يتعلق بالنبي نوح (عليه السلام)، و هو أمر يلفت الانتباء و النظر، و ربما يكون للتشابه و الاتفاق في الدور و المهمة التي أوكلت لهما، كما نبه الشهيد الصدر (رحمه الله) إليه.

(راجع: (مع الأنبياء، عفيف عبد الفتاح طبارة.

(٦) و يمكن أن نقرب هذا المعنى بما عشناه و شاهدناه من صعود الاتحاد السوفيتي و ترقيه حتى صار القطب الثاني في العالم، و تقاسم هو و أمريكا النفوذ الحضاري و الهيمنة السياسية، و ركبا معا اجواء الفضاء، ثمّ شهدنا انهيار الاتحاد السوفيتي و تفكك أوصاله بمثل تلك السرعة القياسية في الانهيار، فكم كان لذلك من أثر؟ و كم كان فيه من عبرة؟ و كم كان فيه من دلالة عميقة؟.

(٧) جان جاك روسو (١٧١٢ ١٧٧٨ م) كاتب و فيلسوف فرنسي اعتبره بعض النقاد الوجه الأبعد نفوذاً في الأدب الفرنسي الحديث و الفلسفة الحديثة، و قد مهدت كتاباته و مقالاته للثورة الفرنسية، و أشهر مؤلفاته العقد الاجتماعي. راجع: موسوعة المورد، منير البعلبكي: ٨/ ١٦٩.

(٨) إشارة إلى الآية القرآنية المباركة: (انهم فتية آمنوا بربهم و زدناهم هدى ...) الكهف: ١٣، و راجع تفسيرها في الكشاف، الزمخشري ٧٠٦: ٢، نشر دار الكتاب العربي بيروت.

(٩) إشارة إلى الآية: (و لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين و ازدادوا تسعاً ...) الكهف: ٥٢.

(١٠) و كل ذلك له مدخلية في تربيته و اعداده الاعداد الخاص، بما في ذلك امتلاكه النظرة الشمولية العميقة، فضلا عن شهوده بنفسه ضآلة اولئك المتعملقين الذين يملئون الدنيا ضجيجاً و صخباً، و يسترهبون الناس، و هذه الشهود يؤهله أكثر فأكثر لأداء مهمته الكونية في التغيير، أي ملئه للأرض عدلًا بعد ما ملئت ظلماً، هذا بغض النظر عن مؤهلاته الذاتية، و العناية الربانية الخاصة.

(١١) و لا ينبغي أن يُشكِل أحدٌ بأن النبي محمداً (صلى الله عليه و آله) مع عالمية رسالته و مهمته التغييرية الكبرى إلّا أنه عاش في كنف الحضارة الجاهلية، و لم يتأثر بها، و كذا الأنبياء السابقون، فما هو الوجه في هذا الرأي؟

فجوابه:

أ إن النبي (صلى الله عليه و آله) قد أخضع فعلًا إلى حالة عزلة تامة من الحضارة الجاهلية، و أنه كما ورد في السيرة النبوية قد حبب إليه الخلاء، و كان يذهب إلى غار حراء يتحنث فيه و كذا الأنبياء كانوا يتنزهون عما عليه مجتمعهم، و كانوا يعتزلون، و إليه الإشارة في قوله تعالى: (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَ ما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ) مريم: ٤٩.

ب إن النبي المرسل يوحى إليه، و يسدد مباشرة من السماء، و يبلغ بالأعمال و الخطوات التي يتخذها خطوة خطوة، و الإمام (عليه السلام) لا يوحى إليه كما هو عقيدة الإمامية و لا يبلغ بالامور مباشرة من السماء، نعم يكون مسدداً و تحت العناية الربانية، و لذلك فهو يحتاج إلى اعداد خاص. (ففي نفس الوقت الذي يكون فيه قريباً و متصلًا بالحضارة الإسلامية، مستمداً من آبائه (عليهم السلام) الأصالة و المعرفة و العلم، يكون مطلعاً على التجارب البشرية و الحضارات في صعودها و عوامل تكونها و قوتها، و كذلك إخفاقاتها و عوامل ضعفها و انهيارها، فيستمد الخبرة و القدرة و الاحاطة بالامور جميعاً، هذا مع اعتقادنا بقدرات الإمام العلمية الذاتية التي وهبها الله تعالى له، و بكونه مسدداً من السماء.

(١٢) بحث حول المهدي، الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره): ٨٩ الهامش، تحقيقات الدكتور عبد الجبار شرارة، طبع مركز الغدير للدراسات الإسلامية.

(١٣) على الرغم من الأهمية التي يخطها الشهيد الصدر (رضي الله عنه) هنا للظروف الموضوعية، و دور نضوجها أو انضاجها في نجاح الثورات و هذا فهم عميق لأثر العامل الاجتماعي و النفسي إلّا أن الشهيد الصدر (رضي الله عنه) يعرض نظرية جديدة في فهم عملية التغيير الاجتماعي، الذي تحدثه السماء من خلال الرسالات السماوية، فهي في جانبها الرسالي ترتبط بقانونها الخاص، و لكن في جانبها التنفيذي تعتمد الظروف الموضوعية و ترتبط بها توقيتاً و نجاحاً، و أعني بالظروف الموضوعية: الحالة السياسية و الحالة الاجتماعية للُامة و الواقع الدولي المعاصر، و مدى قدرة الامة في إمكاناتها الذاتية و استعدادها النفسي.

(١٤) اشارة إلى قوله تعالى: (قالُوا حَرِّقُوهُ وَ انْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ* قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى‌ إِبْراهِيمَ* وَ أَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ) الانبياء: ٧٠٦٨.

(١٥) راجع الرواية في تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٣، و راجع البحار، المجلسي: ١٨/ ٤٧ و ٥٢ و ٦٠، ٧٥ باب معجزات النبي (صلى الله عليه و آله).

(١٦) تاريخ الطبري: ٢/ ٢٤٤ حوادث السنة الخامسة من الهجرة.

(١٧) كما هو نص الحديث النبوي الشريف: «لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلًا مني أو من أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً و عدلًا كما ملئت ظلماً و جوراً». راجع التاج الجامع للُاصول: ٥/ ٣٤٣، قال: رواه أبو داود و الترمذي.

(١٨) لقد شاهدنا في بداية التسعينات المصداق لهذه المقولة التي اطلقها الشهيد الصدر (رضي الله عنه) استنادا إلى خبرته العميقة بالمجتمع البشري، فقد انهار الاتحاد السوفيتي و هو أحد القطبين اللذين كانا يهيمنان على العالم انهيارا سريعاً جداً، و بصورة أذهلت الجميع.