الصولة الجعفرية في الرد على اللمعة البهية - كاشف الغطاء، الشيخ هادي - الصفحة ٨٥ - بحثٌ في الخلافة

مواردها، ولا دلالة في هذا على أحقّيّة غيرِهِ وأوّليّتِهِ بما صَبَرَ عَنْهُ واتّقى فيه.

"الأمر الثالث": قوله: (بل الأمر جرى على الرِّضا منه بمبايعته لهم واحداً بعد واحد).

أقول: لا يخفى أنّه لا بيعةَ في الحقيقةِ إلاّ بيعةٌ واحدة، والبيعتانِ اللّتان بعدها قد تفرعتا منها، وصدرتا عنها، ولم تكونا عن اختيارِ الأمّة وإجماعها المُدَّعَيَيَنْ؛ لأنّ الأوّلَ عَهِدَ بها إلى الثاني، وجَعَلَها الثاني في سِتّة، بكيفيةٍ يُعْلَمُ فيها أنَّها تكون للثالث، فقد تسالموها بينهم يداً بيد، والذي يبايُع البيعَةَ الأولى لا مناصَ له عن الأخيرتين، وهذا أمر واضح غير خفي.

وقد قال علي علیه ‌السلام فيما رواه ابن قتيبة لعمر لمّا قال له: (إنّكَ لستَ متروكاً حتى تبايع): (أحلبْ حَلَباً لكَ شَطْرُهُ وشُدَّ له اليومَ يَرْدُدْهُ عَلَيكَ غدا)[١].

وعلى هذا فالبيعتانِ المتأخّرتان تتبعانِ الأولى في القهر والإكراه والرّضا والاختيار والخوف والتقيّة، وربّما كانَ الخوفُ أشدُّ والتقيةُ أقوى، فإنّه علیه ‌السلام على ما يقال: أراد أنْ يُغيّر سُنّةً مما سَنَّهَ مَنْ قبله فلم يستطع، ولمّا هَمَّ بذلك صاحَ الناسُّ: (واسُنَّةَ عمراه)[٢].

"الأمر الرابع": (ما جَرَى بينَهُم من الأُلْفَةِ والمصَاحَبة والمودة في ربع قرن).

اعلم أنَّ ما جرى بينهم وبينه علیه ‌السلام أمرٌ مختلف فيه، فالمؤلّف ولا بد أنّه تبعَ في ذلك جماعة من أهل السُّنّة يدّعون جَرَيانَ الألفة والمودّة بينه وبينهم، والشيعة


[١] الامامة والسياسة, ج١, ص١٨, تحقيق "الزيني" و ج ١, ص٢٩, تحقيق "الشيري".

[٢] يعني الشيخ P ما نقله ابن ابي الحديد في شرح النهج أنَّ علياً أرسل ابنه الحسن لمسجد الكوفة لتفريق مُصلّي التراويح "فدخل عليهم المسجد ومعه الدِّرَّة فلمّا رأوه تبادروا الأبواب وصاحوا: واعمراه", ج١٢, ص٢٨٣.