الصولة الجعفرية في الرد على اللمعة البهية - كاشف الغطاء، الشيخ هادي - الصفحة ١١١ - بحثٌ في الخلافة

وضمانِهِم له تسليمَ الحَسَن إليه أو الفتك به، وما جرى من عبَيد الله بن العباس، من انسلالِهِ ليلاً من معسكره الذي جَعَلَهُ الحَسَنُ أميراً عليه مع خاصّتِهِ إلى مُعَسْكَرِ مُعاويةَ حتّى أصبح الناسُّ وقد فقدوا أميرهم، فصَلّى بهم قيسُ بنُ سعد، ونظر في أمورهم.

وبهذه الأمور وأمثالها ازدادت بصيرةُ الحسن بخذلانِ الناس له، وفسادِ نيّاتِهِم بما أظهروه مِنَ السَّبِّ والتّكفيرِ واستِحلالِ دَمِهِ، ولم يَبْقَ مَعَهُ مَنْ يأمَنُ غوائله إلا خاصَّةٌ من شيعته وشيعة أبيه، وهم جماعةٌ لا تقومُ لأجنادِ الشّامِ ومَنْ التَحَقَ بهم من الفسّاق وأهل الأطماع.

ومن هذا كلِّهِ تَعْلَمُ أنّ ما وقع من الحسن مع معاوية كان عن تقيّةٍ وإكراه واضطرار، لا عن رضى منه ولا اختيار، وفي الحديث: (رفع عن أمتي)[١] إلى آخره.

وهذا أمرٌ لا يوهنُ خِلافَةَ الحَسَن وإمامَتَهُ عندَ أهلِ الإيمان والعرفان، كما أنه لا يَزيد في شأنِ معاوية إنْ لم يكن مما يُوهِنُ أمْرَه ويحطّ قدره ويزيدُه بغياً على بغيه وعدواناً على عدوانه، ومعاوية لم ينقطع عن محاربة الحسن بالدّسائس والخدع، والمكر والغدر، حتّى قضى عليه، وسقاه كأسَ الحُتوف، ومن حارَبَ الحَسَنَ وأباه فقد حَارَبَ الله ورسوله، ومن استحلَّ دَمَهُ وَدَم أبيهِ فقد استحلَّ ما حَرَّمَ اللهُ، واستحلالُ ما حَرَّمَ اللهُ مُوجِبٌ للتكفير فضلاً عن التفسيق، إلى غير ذلك من سيئات معاوية ومعاصيه.


[١] أخرجه ابن ماجة, ج١, ص٦٥٩ بلفظ "وضع عن أمّتي" في كتاب الطلاق, باب طلاق
المكره والناسي. والبيهقي في السنن الكبرى, ج٦, ص٨٤. وبلفظ "رُفِعَ"؛ أخرجه السيوطي في الجامع الصغير, ج٢, ص١٦. وفي كنز العمال, ج٤, ص٢٣٣.