تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٩
وردت بصيغة الإستفهام الإنكاري ـ أشارت إليها هذه العبارة: (أفي الله شكّ فاطر السّماوات والأرض) وهذه العبارة إذا أردنا تجزئتها وتحليلها بشكل موسّع لا تكفيها آلاف الكتب.
إنّ مطالعتنا لأسرار الوجود ونظام الخلقة لا تهدينا إلى وجود الله فحسب، بل إلى صفاته الكمالية أيضاً كعلمه وقدرته وحكمته.
ثمّ يجيب القرآن الكريم على ثاني إعتراض للمخالفين، وهو إعتراضهم على مسألة الرسالة (لأنّ شكّهم كان في الله وفي دعوة الرّسول) ويقول إنّ من المسلّم أنّ الله القادر والحكيم لا يترك عباده بدون قائد، بل أنّه بإرسال الرسل: (يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم)(١).
وزيادة على ذلك فإنّه (ويؤخّركم إلى أجل مسمّى) كيما تسلكوا سبيل التكامل وتستفيدوا من موهبة الحياة بأقصى ما يمكنكم.
إنّ غاية دعوة الأنبياء أمران: أحدهما غفران الذنوب، بمعنى تطهير الروح والجسم والمحيط الإنساني، والثّاني إستمرار الحياة إلى الوقت المعلوم، والإثنان علّة ومعلول، فالمجتمع الذي يستمرّ في وجوده هو المجتمع النقي من الظلم والذنوب.
ففي طول التاريخ اُبيدت مجتمعات كثيرة بسبب الظلم والذنوب واتّباع الهوى، وبتعبير القرآن لم يصلوا إلى (أجل مسمّىً).
روي في حديث جامع عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «من يموت بالذنوب أكثر ممّن يموت بالآجال، ومن يعيش بالإحسان أكثر ممّن يعيش بالأعمال»(٢).
[١] ـ هناك جدل بين المفسّرين في معنى «من»، فقال بعضهم بالتبعيض، أي يغفر قسماً من ذنوبكم، وهذا الإحتمال ضعيف لأنّ الإيمان يؤدّي إلى غفران الذنوب كلّها (الإسلام يجب ما قبله) وإحتمل البعض الآخر أنّ «من» بدل، فيكون معنى الجملة يدعوكم ليغفر ذنوبكم بدل الإيمان، وقال آخرون: إنّ «من» هنا زائدة للتأكيد، ومعناه: إنّ الله تعالى يدعوكم للإيمان ليغفر لكم ذنوبكم، وهذا التّفسير نراه أقرب إلى الصحّة.
[٢] ـ سفينة البحار، المجلّد الأوّل، ص٤٨٨.