تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٥
الناس جميعاً)(١) وهذه إشارة إلى أنّ الله سبحانه وتعالى يستطيع أن يجبر الناس وحتّى المعاندين على أن يؤمنوا، لأنّه القادر على كلّ شيء، ولكنّه لا يفعل ذلك أبداً، لأنّ هذا الإيمان الإجباري لا قيمة له وهو فاقد للمعنى والتكامل الذي يحتاجه الإنسان في حياته.
ثمّ تضيف الآية (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة) وهذه مصائب تنزل عليهم بشكل إبتلاءات مختلفة أو على شكل هجوم المسلمين عليهم. وهذه المصائب إن لم تنزل في دارهم فهي (أو تحلّ قريباً من دارهم)لكي يعتبروا بها ويرجعوا إلى الله جلّ وعلا.
وهذا الإنذار مستمر (حتّى يأتي وعد الله).
وهذا الوعد الأخير قد يشير إلى الموت، أو إلى يوم القيامة، أو على قول البعض إلى فتح مكّة التي سحقت آخر معقل للعدو.
وعلى أيّة حال فالوعد الإلهي أكيد: (إنّ الله لا يخلف الميعاد).
الآية الأخيرة من هذه المجموعة تخاطب النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فتقول له: لست الوحيد من بين الأنبياء تعرّض لطلب المعاجز الإقتراحية والإستهزاء من الكفّار، بل (ولقد استهزيء برسل من قبلك). ولكن لم نعاقب هؤلاء الكفّار فوراً، بل (فأمليت للذين كفروا) لكي يستيقظوا ويعودوا إلى طريق الحقّ، أو نلقي عليهم الحجّة الكافية على الأقل. لأنّ هؤلاء إذا كانوا مذنبين فإنّ لطف الله وكرمه وحكمته لا تتأثّر بأفعال هؤلاء.
[١] ـ «ييأس» مأخوذة من مادّة اليأس، ولكن يقول جمهور من المفسّرين: إنّها جاءت هنا بمعنى العلم، وأمّا ما يقوله البعض ]طبقاً لما نقله الفخر الرازي[ إن «يئست» لا تأتي بمعنى «علمت» إطلاقاً، ويرى الراغب في مفرداته أنّ اليأس هنا هو نفس معناه، ولكن يحتاج لتحقّقه إلى العلم بعدم تحقّق الموضوع، وعلى هذا يكون ثبوت يأسهم يتوقّف على علمهم وتكون نتيجته أنّ اليأس هنا ليس العلم بالوجود، بل العلم بالعدم، وهو مخالف لمفهوم الآية، وعلى ذلك فالحقّ ما قاله جمهور المفسّرين، وما ذكروه من شواهد في قول العرب على ذلك، وقد ذكر الفخر الرازي في تفسيره أمثلة من هذه الشواهد ]دقّقوا النظر[.