تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٢
السعي والحركة.
وللتوضيح أكثر في مجال البرق والرعد تشير الآية إلى الصاعقة (ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء) ومع كلّ ذلك ـ وبمشاهدة آيات العظمة الإلهية في عالم التكوين من السّماء والأرض والنباتات والأشجار والبرق والرعد وأمثالها، وفي قدرة الإنسان الحقيرة تجاه هذه الحوادث، حتّى في مقابل واحدة منها مثل شرارة البرق ـ نرى أنّ هناك جماعة جاهلة تجادل في الله (وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال).
«المحال» في الأصل «الحيلة» بمعنى التدبير السرّي وغير الظاهر، فالذي له القدرة على هذا التدبير يمتلك العلم والحكمة العالية، ولهذا السبب يستطيع أن ينتصر على أعدائه ولا يمكن الفرار من حكومته.
وذكر المفسّرون وجوهاً عديدة في تفسير (شديد المحال) فتارةً بمعنى «شديد القوّة»، أو «شديد العذاب»، أو «شديد القدرة» أو «شديد الأخذ»(١).
الآية الأخيرة تشير إلى مطلبين:
الأوّل: قوله تعالى: (له دعوة الحقّ) فهو يستجيب لدعواتنا، وهو عالم بدعاء العباد وقادرٌ على قضاء حوائجهم، ولهذا السبب يكون دعاؤنا إيّاه وطلبنا منه حقّاً، وليس باطلا.
ولكن دعاء الأصنام باطل (والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء) نعم هكذا في دعوة الباطل ليست أكثر من وهم، لأنّ ما يقولونه من علم وقدرة الأصنام ما هو إلاّ أوهام وخيال، أو ليس الحقّ هو عين الواقع وأصل الخير والبركة؟ والباطل هو الوهم وأصل الشرّ والفساد؟ ولتصوير هذا الموضوع يضرب لنا القرآن الكريم مثالا حيّاً ورائعاً يقول: (إلاّ كباسط كفّيه إلى الماء ليبلغ
[١] ـ فسّر البعض «المحال» من «المحلّ، الماحل» بمعنى المكر والجدال والتصميم على العقوبة، ولكن ما أشرنا إليه أعلاه هو الصحيح، والتّفسيران قريباً المعنى.