بررسي نظريه هاي نجات و مباني مهدويت - ابراهیم آودیچ - الصفحة ٢٢٢ - الفصل الثالث القيمة العقائدية أو المعطى الإنساني لمفهوم المهدوية في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)
الاُولى، قد بنيت شخصيته بناءاً كاملاً بصورة مستقلة ومنفصلة عن مؤثرات الحضارة التي يقدر لليوم الموعود أن يحاربها.
وخلافاً لذلك، الشخص الذي يولد وينشأ في كنف هذه الحضارة وتتفتح افكاره ومشاعره في إطارها، فإنه لا يتخلص غالبا من رواسب تلك الحضارة ومرتكزاتها، وإن قاد حملة تغييرية ضدها.
فلكي يضمن عدم تأثر القائد المدخر بالحضارة التي اُعد لاستبدالها، لا بد أن تكون شخصيته قد بنيت بناءاً كاملاً فى مرحلة حضارية سابقة هي أقرب ما تكون في الروح العامة ومن ناحية المبدأ إلى الحالة الحضارية التي يتجه اليوم الموعود إلى تحقيقها بقيادته».[١]
ثم يطرح سماحته(رضي الله عنه) بعد ذلك سؤالاً آخراً مرتبط بالناحية الانسانية من العقيدة المهدوية وهو لماذا لم يظهر القائد العالمي طيلة هذه المدة ؟ وإذا كان قد أعد نفسه
[١]ـ ولا ينبغي أن يُشكلَ أحد بأن النبي محمد(صلى الله عليه وآله) مع عالمية رسالته ومهمته التغييرية الكبرى إلاّ أنه عاش في كنف الحضارة الجاهلية، ولم يتأثر بها، وكذا الأنبياء السابقون، فما هو الوجه في هذا الرأي؟
فجوابه: أ ـ ان النبي(صلى الله عليه وآله) قد اخضع فعلاً إلى حالة عزلة تامة من الحضارة الجاهلية، وأنه كما ورد في السيرة النبوية قد حبب إليه الخلاء، وكان يذهب إلى غار حراء يتحنث فيه وكذا الأنبياء كانوا يتنزهون عما عليه مجتمعهم، وكانوا يعتزلون، وإليه الإشارة في قوله تعالى: (فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له اسحاق) مريم: ١٩ / ٤٩.
ب ـ إن النبي المرسل يوحى إليه، ويسدد مباشرة من السماء، ويبلغ بالأعمال والخطوات التي يتخذها خطوة خطوة، والإمام(عليه السلام) لا يوحى إليه ـ كما هو عقيدة الإمامية ـ ولا يبلغ بالاُمور مباشرة من السماء، نعم يكون مسدداً وتحت العناية الربانية، ولذلك فهو يحتاج إلى اعداد خاص. ففي نفس الوقت الذي يكون فيه قريباً ومتصلاً بالحضارة الإسلامية، مستمداً من آبائه(عليهم السلام) الإصالة والمعرفة والعلم، يكون مطلعاً على التجارب البشرية والحضارات في صعودها وعوامل تكونها وقوتها، وكذلك إخفاقاتها وعوامل ضعفها وإنهيارها، فيستمد الخبرة والقدرة والإحاطة بالاُمور جميعاً، هذا مع اعتقادنا بقدرات الإمام العلمية الذاتية التي وهبها الله تعالى له، وبكونه مسدداً من السماء. كما ستوضح فى المبحث الرابع.