تحفةالابرار - الطبري، عماد الدين - الصفحة ٢٦٩ - الفصل الثانی فی التزام الحجّة
(١)
الفصل الثانی فی التزام الحجّة
کثیرا ما یتظلّم المتکلّمون و المتعلّمون من ذوی المعرفة القلیلة و یتطلّبون حجّة یقبل بها الخصم، و یقولون: لقد احتججنا علیهم بکذا و کذا فلم یقنعهم ذلک.
نقول: إنّ الحجّة هی التی تکون حجّة فی نفس الأمر، و لیست حقیقة الحجّة أن یقبل بها الخصم. و إنّما الحجّة هی التی یقنع بها الخصم لو استمع إلیها کحجة، أمّا إذا استمع إلیها علی أنّها شبهة فإنّه لن یقنع بها.
قال أمیر المؤمنین علیه السّلام لسائل معاند: «سل متفقّها لا متعنّتا» [١].
و لقد احتجّ اللّه تعالی علی إبلیس بأفضلیّة آدم فلم یقتنع، کما احتجّ علیه الملائکة فلم یقتنع بکلام الملائکة. و احتجّ الأنبیاء کافّة من عهد آدم إلی عهد محمّد صلّی اللّه علیه و آله و سلّم، فجاء صالح علیه السّلام بالناقة، و جاء موسی للأقباط بتسع آیات بیّنات فلم تقتنع أقوامهم، و جاء محمّد صلّی اللّه علیه و آله و سلّم بثلاثة آلاف معجزة حقّة ثابتة فلم یقبل أبو جهل و أبو لهب- علیهما اللعنة- بها. فهل یکون عجبا إن جاء فقیه بحجّة فلم یقنعوا بحجّته؟ وَ ما عَلَی الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ* [٢]، لَسْتَ عَلَیْهِمْ بِمُصَیْطِرٍ [٣]، و ما أَنْتَ عَلَیْهِمْ
[١]- نهج البلاغة: الحکمة ٣٢٠؛ کنز العمّال ١٣ ح ٣٦٤٩٢.
[٢]- النور: ٥٤؛ و العنکبوت: ١٨.
[٣]- الغاشیة: ٢٢.