إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٨ - صفة
من هذه الصعقة،و انتظارا لما يقضى عليهم من سعادة أو شقاوة،و أنت فيما بينهم منكسر كانكسارهم،متحير كتحيرهم.بل إن كنت في الدنيا من المترفهين و الأغنياء المتنعمين،فملوك الأرض في ذلك اليوم أذل أهل أرض الجمع،و أصغرهم، و أحقرهم،يوطئون بالأقدام مثل الذر .و عند ذلك تقبل الوحوش من البراري و الجبال،منكسة رءوسها،مختلطة بالخلائق بعد توحشها،ذليلة ليوم النشور من غير خطيئة تدنست بها.و لكن حشرتهم شدة الصعقة،و هول النفخة،و شغلهم ذلك عن الهرب من الخلق و التوحش منهم.و ذلك قوله تعالى وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [١]ثم أقبلت الشياطين المردة بعد تمردها و عتوّها،و أذعنت خاشعة من هيبة العرض على اللّه تعالى،تصديقا لقوله تعالى فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَ الشَّيٰاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا [٢]فتفكر في حالك و حال قبلك هنا لك
صفة
أرض المحشر و أهله
ثم انظر كيف يساقون بعد البعث و النشور حفاة،عراة،غرلا،إلى أرض المحشر،أرض بيضاء،قاع صفصف،لا ترى فيها عوجا و لا أمتا ،و لا ترى عليها ربوة يختفى الإنسان وراءها،و لا وهدة ينخفض عن الأعين فيها،بل هو صعيد واحد بسيط،لا تفاوت فيه،يساقون إليه زمرا.فسبحان من جمع الخلائق على اختلاف أصنافهم من أقطار الأرض،إذ ساقهم بالراجفة تتبعها الرادفة.و الراجفة هي النفخة الأولى،و الرادفة هي النفخة الثانية.و حقيق لتلك القلوب أن تكون يومئذ واجفة،و لتلك الأبصار أن تكون خاشعة قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم[١]«يحشر النّاس يوم القيامة على أرض
[١] التكوير:٥
[٢] مريم:٦٨