إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨١ - بيان
و قد قيل في هذا المعنى أيضا
يا جامعا مانعا و الدهر يرمقه مقدرا أي باب منه يغلقه
مفكرا كيف تأتيه منيته أ غاديا أم بها يسرى فتطرقه
جمعت مالا فقل لي هل جمعت له يا جامع المال أياما تفرقه
المال عندك مخزون لوارثه ما المال مالك إلا يوم تنفقه
أرفه ببال فتى يغدو على ثقة إن الذي قسم الأرزاق يرزقه
فالعرض منه مصون ما يدنسه و الوجه منه جديد ليس يخلقه
إن القناعة من يحلل بساحتها لم يبق في ظلها هما يؤرقه
بيان
فضيلة الفقر على الغنى
اعلم أن الناس قد اختلفوا في هذا.فذهب الجنيد،و الخواص،و الأكثرون،إلى تفضيل الفقر.و قال ابن عطاء:الغني الشاكر القائم بحقه أفضل من الفقير الصابر.و يقال إن الجنيد دعا على ابن عطاء لمخالفته إياه في هذا،فأصابته محنة ،و قد ذكرنا ذلك في كتاب الصبر و وجه التفاوت بين الصبر و الشكر،و مهدنا سبيل طلب الفضيلة في الأعمال و الأحوال و أن ذلك لا يمكن إلا بتفصيل.فأما الفقر و الغنى إذا أخذا مطلقا،لم يسترب من قرأ الأخبار و الآثار في تفصيل الفقر،و لا بد فيه من تفصيل فنقول:
إنما يتصور الشك في مقامين.أحدهما:فقير صابر،ليس بحريص على الطلب،بل هو قانع أو راض،بالإضافة إلى غني منفق ماله في الخيرات،ليس حريصا على إمساك المال و الثاني:فقير حريص،مع غني حريص.إذ لا يخفى أن الفقير القانع أفضل من الغني الحريص الممسك،و أن الغني المنفق ماله في الخيرات أفضل من الفقير الحريص أما الأوّل ،فربما يظن أن الغني أفضل من الفقير،لأنهما تساويا في ضعف الحرص على المال،و الغني متقرب بالصدقات و الخيرات،و الفقير عاجز عنه .و هذا هو الذي ظنه ابن عطاء فيما نحسبه.فأما الغني المتمتع بالمال،و إن كان في مباح،فلا يتصوّر أن يفضل على م ١١:ثالث عشر إحياء