إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥١ - خوف يحيى(عليه السلام)
طوائف من بني إسرائيل و من الوحوش و الهوام.فيأخذ في الدعاء.فبينا هو كذلك، إذ ناداه بعض عباد بني إسرائيل.يا داود عجلت بطلب الجزاء على ربك.قال فيخر داود مغشيا عليه،فإذا نظر سليمان إلى ما أصابه،أتى بسرير فحمله عليه،ثم أمر مناديا ينادى ألا من كان له مع داود حميم أو قريب فليأت بسرير فليحمله،فإن الذين كانوا معه قد قتلهم ذكر الجنة و النار.فكانت المرأة تأتي بالسرير و تحمل قريبها و تقول:يا من قتله ذكر النار يا من قتله خوف اللّه.ثم إذا أفاق داود قام و وضع يده على رأسه،و دخل بيت عبادته،و أغلق بابه،و يقول يا إله داود،أ غضبان أنت على داود؟و لا يزال يناجي ربه.فيأتي سليمان و يقعد على الباب،و يستأذن،ثم يدخل و معه قرص من شعير،فيقول يا أبتاه تقوّ بهذا على ما تريد فيأكل من ذلك القرص ما شاء اللّه،ثم يخرج إلى بني إسرائيل فيكون بينهم و قال يزيد الرقاشي:خرج داود ذات يوم بالناس يعظهم و يخوفهم.فخرج في أربعين ألفا،فمات منهم ثلاثون ألفا،و ما رجع إلا في عشرة آلاف.قال و كان له جاريتان اتخذهما حتى إذا جاءه الخوف و سقط فاضطرب،قعدتا على صدره و على رجليه،مخافة أن تتفرق أعضاؤه و مفاصله فيموت
[خوف يحيى(عليه السلام)]
و قال ابن عمر رضي اللّه عنهما:دخل يحيى بن زكريا عليهما السلام بيت المقدس و هو ابن ثمان حجج،فنظر إلى عبّادهم قد لبسوا مدارع الشعر و الصوف،و نظر إلى مجتهديهم قد خرقوا التراقي و سلكوا فيها السلاسل،و شدوا أنفسهم إلى أطراف بيت المقدس فهاله ذلك،فرجع إلى أبويه.فمر بصبيان يلعبون،فقالوا له يا يحيى هلم بنا لنلعب.فقال إنى لم أخلق للّعب.قال فأتى أبويه،فسألهما أن يدرعاه الشعر،ففعلا.فرجع إلى بيت المقدس،و كان يخدمه نهارا،و يصبح فيه ليلا،حتى أتت عليه خمس عشرة سنة،فخرج و لزم أطواد الأرض و غير ان الشعاب .فخرج أبواه في طلبه،فأدركاه على بحيرة الأردن،قد أنقع رجليه في الماء حتى كاد العطش يذبحه،و هو يقول.و عزتك و جلالك لا أذوق بارد الشراب حتى أعلم أين مكانى منك.فسأله أبواه أن يفطر على قرص كان معهما من شعير،و يشرب من ذلك الماء،ففعل و كفّر عن يمينه،فمدح بالبر،فرده أبواه إلى بيت المقدس،فكان إذا قام يصلى بكى حتى يبكى معه الشجر و المدر،و يبكى زكريا عليه السلام لبكائه حتى يغمى عليه.