إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٠ - خوف داود عليه السلام
في كثرة البكاء فيقول:دعوني أبكى قبل خروج يوم البكاء،قبل تخريق العظام و اشتعال الحشا،و قبل أن يؤمر بي ملائكة غلاظ شداد لا يعصون اللّه ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون و قال عبد العزيز بن عمر :لما أصاب داود الخطيئة نقص صوته.فقال إلهى بح صوتي في صفاء أصوات الصديقين.و روي أنه عليه السّلام لما طال بكاؤه و لم ينفعه ذلك ضاق ذرعه،و اشتد غمه:فقال يا رب أما ترحم بكائي؟فأوحى اللّه تعالى إليه:يا داود نسيت ذنبك و ذكرت بكاءك!فقال:إلهى و سيدي،كيف أنسى ذنبي و كنت إذا تلوت الزبور كف الماء الجاري عن جريه،و سكن هبوب الريح،و أظلنى الطير على رأسي،و أنست الوحوش إلى محرابي!إلهى و سيدي،فما هذه الوحشة التي بيني و بينك!فأوحى اللّه تعالى إليه يا داود ذلك أنس الطاعة،و هذه وحشة المعصية.يا داود،آدم خلق من خلقي،خلقته بيدي، و نفخت فيه من روحي،و أسجدت له ملائكتي،و ألبسته ثوب كرامتي،و توجته بتاج و قارى.و شكا لي الوحدة فزوجته حواء أمتي،و أسكنته جنتى،عصاني،فطردته عن جوارى عريانا ذليلا.يا داود اسمع منى،و الحقّ أقول،أطعتنا فأطعناك،و سألتنا فأعطيناك و عصيتنا فأمهلناك،و إن عدت إلينا على ما كان منك قبلناك و قال يحي بن أبي كثير.بلغنا أن داود عليه السّلام كان إذا أراد أن ينوح مكث قبل ذلك سبعا لا يأكل الطعام،و لا يشرب الشراب،و لا يقرب النساء.فإذا كان قبل ذلك بيوم أخرج له المنبر إلى البرية .فأمر سليمان أن ينادى بصوت يستقرى البلاد و ما حولها من الغياض،و الآكام،و الجبال،و البراري،و الصوامع،و البيع،فينادى فيها.ألا من أراد أن يسمع نوح داود على نفسه فليأت.قال فتأتى الوحوش من البراري و الآكام،و تأتي السباع من الغياض،و تأتي الهوام من الجبال،و تأتي الطير من الأوكار،و تأتي العذاري من خدورهن و تجتمع الناس لذلك اليوم.و يأتي داود حتى يرقى المنبر،و يحيط به بنو إسرائيل،و كل صنف على حدته محيطون به،و سليمان عليه السّلام قائم على رأسه.فيأخذ في الثناء على ربه،فيضجون بالبكاء و الصراخ،ثم يأخذ في ذكر الجنة و النار،فتموت الهوام،و طائفة من الوحوش و السباع و الناس،ثم يأخذ في أهوال القيامة ،و في النياحة على نفسه،فيموت من كل نوع طائفة.فإذا رأى سليمان كثرة الموتى،قال يا أبتاه.قد مزقت المستمعين كل ممزق،و ماتت