إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٥ - بيان
بكون الفعل موافقا،و قتله نفسه ليس موافقا له،فلا يمكنه مع قوة الأعضاء أن يقتل نفسه إلا إذا كان في عقوبة مؤلمة لا تطاق،فإن العقل هنا يتوقف في الحكم و يتردد،لأن تردده بين شر الشرين.فإن ترجح له بعد الروية أن ترك القتل أقل شرا لم يمكنه قتل نفسه.و إن حكم بأن القتل أقل شرا،و كان حكمه جزما لا ميل فيه و لا صارف منه،انبعث الإرادة و القدرة و أهلك نفسه كالذي يتبع بالسيف للقتل،فإنه يرمى بنفسه من السطح مثلا، و إن كان مهلكا،و لا يبالي،و لا يمكنه أن لا يرمى نفسه.فإن كان يتبع بضرب خفيف، فإن انتهى إلى طرف السطح حكم العقل بأن الضرب أهون من الرمي،فوقفت أعضاؤه فلا يمكنه أن يرمي نفسه،و لا تنبعث له داعية البتة،لأن داعية الإرادة مسخرة بحكم العقل و الحس،و القدرة مسخرة للداعية،و الحركة مسخرة للقدرة،و الكل مقدر بالضرورة فيه من حيث لا يدرى،فإنما هو محل و مجرى لهذه الأمور فأما أن يكون منه فكلا و لا فإذا معنى كونه مجبورا أن جميع ذلك حاصل فيه من غيره لا منه،و معنى كونه مختارا أنه محل لإرادة حدثت فيه جبرا بعد حكم العقل بكون الفعل خيرا محضا موافقا.و حدث الحكم أيضا جبرا،فإذا هو مجبور على الاختيار.ففعل النار في الإحراق مثلا جبر محض و فعل اللّه تعالى اختيار محض.و فعل الإنسان على منزلة بين المنزلتين،فإنه جبر على الاختيار، فطلب أهل الحق لهذا عبارة ثالثة!لأنه لما كان فنّا ثالثا،و ائتموا فيه بكتاب اللّه تعالى،فسموه كسبا و ليس مناقضا للجبر و لا للاختيار،بل هو جامع بينهما عند من فهمه و فعل اللّه تعالى يسمى اختيارا،بشرط أن لا يفهم من الاختيار إرادة بعد تحير و تردد،فإن ذلك في حقه محال. و جميع الألفاظ المذكور في اللغات لا يمكن أن تستعمل في حق اللّه تعالى إلا على نوع من الاستعارة و التجوز، و ذكر ذلك لا يليق بهذا العلم،و يطول القول فيه فإن قلت:فهل تقول إن العلم ولد الإرادة.و الإرادة ولدت القدرة،و القدرة ولدت الحركة و إن كل متأخر حدث من المتقدم؟فإن قلت ذلك فقد حكمت بحدوث شيء لا من قدرة اللّه تعالى.و إن أبيت ذلك فما معنى ترتب البعض من هذا على البعض؟ فاعلم أن القول بأن بعض ذلك حديث عن بعض جهل محض سواء عبر عنه بالتولد أو بغيره بل حوالة جميع ذلك على المعنى الذي يعبر عنه بالقدرة الأزلية.و هو الأصل الذي لم يقف