إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٨ - المهم السادس ما يكون وسيلة إلى هذه الخمسة،و هو المال و الجاه
يعرفه من يخبر أحوال الأغنياء،و ما عليهم من المحنة في كسب المال و جمعه و حفظه،و احتمال الذل فيه.و غاية سعادته به أن يسلم لورثته فيأكلونه،و ربما يكونون أعداء له،و قد يستعينون به على المعصية،فيكون هو معينا لهم عليها و لذلك شبه جامع الدنيا و متبع الشهوات بدود القز،لا يزال ينسج على نفسه حيا،ثم يروم الخروج فلا يجد مخلصا،فيموت و يهلك بسبب عمله الذي عمله بنفسه.فكذلك كل من اتبع شهوات الدنيا فإنما يحكم على قلبه بسلاسل تقيّده بما يشتهيه،حتى تتظاهر عليه السلاسل فيقيده المال،و الجاه،و الأهل،و الولد،و شماتة الأعداء،و مراءاة الأصدقاء،و سائر حظوظ الدنيا.فلو خطر له أنه قد أخطأ فيه،فقصد الخروج من الدنيا،لم يقدر عليه،و رأى قلبه مقيدا بسلاسل و أغلال لا يقدر على قطعها.و لو ترك محبوبا من محابه باختياره،كاد أن يكون قاتلا لنفسه،و ساعيا في هلاكه،إلى أن يفرق ملك الموت بينه و بين جميعها دفعة واحدة فتبقى السلاسل في قلبه معلقة بالدنيا التي فاتته و خلفها ،فهي تجاذبه إلى الدنيا،و مخالب ملك الموت قد علقت بعروق قلبه تجذبه إلى الآخرة.فيكون أهون أحواله عند الموت أن يكون كشخص ينشر بالمنشار،و يفصل أحد جانبيه عن الآخر بالمجاذبة من الجانبين.و الذي ينشر بالمنشار إنما ينزل المؤلم ببدنه،و يألم قلبه بذلك بطريق السراية من حديث أثره.فما ظنك بألم يتمكن أولا من صميم القلب،مخصوصا به لا بطريق السراية إليه من غيره فهذا أول عذاب يلقاه قبل ما يراه من حسرة فوت النزول في أعلى عليين،و جوار رب العالمين.
فبالنزوع إلى الدنيا يحجب عن لقاء اللّه تعالى.و عند الحجاب تتسلط عليه نار جهنم،إذ النار غير مسلطة إلا على محجوب .قال اللّه تعالى (كَلاّٰ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصٰالُوا الْجَحِيمِ [١]) فرتب العذاب بالنار على ألم الحجاب.و ألم الحجاب كاف من غير علاوة النار.فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه!فنسأل اللّه تعالى أن يقرر أسماعنا[١]ما نفث في روع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم،حيث قيل له.أحبب من أحببت فإنك مفارقه و في معنى ما ذكرناه من المثال قول الشاعر
[١] التطفيف:١٥