إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٧ - المهم السادس ما يكون وسيلة إلى هذه الخمسة،و هو المال و الجاه
هذا شرط الزهد.فإن جاوز ذلك إلى ما يكفيه أكثر من سنة فقد خرج عن حد ضعفاء الزهاد و أقويائهم جميعا.و إن كانت له ضيعة و لم يكن له قوة يقين في التوكل،فأمسك منها مقدار ما يكفي ريعة لسنة واحدة،فلا يخرج بهذا القدر عن الزهد،بشرط أن يتصدق بكل ما يفضل عن كفاية سنته،و لكن يكون من ضعفاء الزهاد.فإن شرط التوكل في الزهد كما شرطه أويس القرني رحمه اللّه،فلا يكون هذا من الزهاد.و قولنا إنه خرج من حد الزهاد نعني به أن ما وعد للزاهدين في الدار الآخرة من المقامات المحمودة لا يناله.و إلا فاسم الزهد قد لا يفارقه بالإضافة إلى ما زهد فيه من الفضول و الكثرة .
و أمر المنفرد في جميع ذلك أخف من أمر المعيل،و قد قال أبو سليمان:لا ينبغي أن يرهق الرجل أهله إلى الزهد،بل يدعوهم إليه،فإن أجابوا،و إلا تركهم و فعل بنفسه ما شاء،معناه أن التضييق المشروط على الزاهد يخصه،و لا يلزمه كل ذلك في عياله.نعم لا ينبغي أن يجيبهم أيضا فيما يخرج عن حد الاعتدال،و ليتعلم من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذ انصرف من بيت فاطمة رضوان اللّه عليها بسبب ستر و قلبين،لأن ذلك من الزبنة لا من الحاجة فإذا ما يضطر الإنسان إليه من جاه و مال ليس بمحذور.بل الزائد على الحاجة سم قاتل و المقتصر على الضرورة دواء نافع.و ما بينهما درجات متشابهة:فما يقرب من الزيادة و إن لم يكن سما قاتلا فهو مضر.و ما يقرب من الضرورة فهو و إن لم يكن دواء نافعا لكنه قليل الضرر.و السم محظور شربه،و الدواء فرض تناوله،و ما بينهما مشتبه أمره.فمن احتاط فإنما يحتاط لنفسه،و من تساهل فإنما يتساهل على نفسه.و من استبرأ لدينه،و ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه،ورد نفسه إلى مضيق الضرورة،فهو الآخذ بالحزم،و هو من الفرقة الناجية لا محالة و المقتصر على قدر الضرورة و المهم لا يجوز أن ينسب إلى الدنيا:بل ذلك القدر من الدنيا هو عين الدين،لأنه شرط الدين،و الشرط من جملة المشروط.و يدل عليه ما روي أن إبراهيم الخليل عليه السلام أصابته حاجة،فذهب إلى صديق له يستقرضه شيئا،فلم يقرضه فرجع مهموما.فأوحى اللّه تعالى إليه.لو سألت خليلك لأعطاك.فقال يا رب،عرفت مقتك للدنيا،فخفت أن أسألك منها شيئا.فأوحى اللّه تعالى إليه.ليس الحاجة من الدنيا فإذا قدر الحاجة من الدين.و ما وراء ذلك و بال في الآخرة،و هو في الدنيا أيضا كذلك