تنقيح المقال في علم الرجال - المامقاني، الشيخ عبد الله - الصفحة ١٢٥ - الترجمة
[١] -و يأخذون التراب الذي وطأه بالليل يصلّون عليه،و يقولون:يا سعيد!حلّفنا الحجاج بالطلاق و العتاق إن نحن رأيناك لا ندعك حتى نشخصك إليه،فمرنا بما شئت، فقال سعيد:امضوا لشأنكم فإنّي لائذ بخالقي و لا رادّ لقضاء ربي..فساروا حتى وصلوا إلى واسط،فلمّا انتهوا إليها،قال لهم سعيد رضي اللّه تعالى عنه:يا معشر القوم!قد تحرّمت بكم و صحبتكم،و لست أشكّ أنّ أجلي قد قرب و حضر،و أنّ المدة قد انقضت و دنت،فدعوني الليلة آخذ أهبة الموت،و أستعدّ لمنكر و نكير،و أذكر عذاب القبر و ما يحثى عليّ من التراب،فإذا أصبحتم فالميعاد بيني و بينكم المكان الذي تريدون، فقال بعضهم:لا نريد أثرا بعد عين،و قال بعضهم:إنكم قد بلغتم أمنكم و استوجبتم جوائزكم من الأمير فلا تعجزوا عنه،و قال بعضهم:هو عليّ أدفعه إليكم إن شاء اللّه تعالى..فنظروا إلى سعيد و قد دمعت عيناه،و اغبرّ لونه،و كان لم يأكل و لم يشرب و لم يضحك منذ لقوه و صحبوه،فقالوا بأجمعهم:يا خير أهل الأرض!ليتنا لم نعرفك و لم نرسل إليك،الويل لنا كيف ابتلينا بك،فاعذرنا عند خالقنا يوم الحشر الأكبر،فإنّه القاضي الأكبر،و العادل الذي لا يجور..فلمّا فرغوا من البكاء و المجاوبة له و لهم،قال كفيله:أسألك باللّه يا سعيد!إلاّ ما زوّدتنا من دعائك و كلامك،فإنّا لن نلقي مثلك أبدا..فدعا لهم سعيد رضي اللّه تعالى عنه،ثم خلّوا سبيله،فغسل رأسه و مدرعته و كساه،و أقبل على الصلاة و الدعاء و الاستعداد للموت ليله كلّه،و هم مختفون الليل كلّه،فلمّا انشقّ عمود الصباح جاءهم سعيد بن جبير رضي اللّه تعالى عنه فقرع الباب، فقالوا:صاحبكم و ربّ الكعبة،فنزلوا إليه،فبكى و بكوا معه طويلا،ثم ذهبوا به إلى الحجاج،فدخل عليه الملتمس فسلم عليه و بشّره بقدوم سعيد بن جبير، فلمّا مثل بين يديه،قال له:ما اسمك؟قال:سعيد بن جبير،قال:بل أنت شقي بن كسير،قال سعيد:بل امي أعلم باسمي منك،فقال الحجاج: شقيت أنت و شقيت أمّك،فقال سعيد:الغيب يعلمه غيرك،قال الحجاج:لأبدلنّك بالدنيا نارا تلظّى،قال:لو علمت أنّ ذلك بيدك لاتّخذتك إلها،قال:فما قولك في محمّد صلّى اللّه عليه[و آله]و سلّم؟قال:نبي الرحمة،قال:فما قولك في عليّ أ في الجنة هو أم في النار،قال:لو دخلتهما و عرفت أهلهما عرفت من فيهما،قال:فما قولك في الخلفاء؟قال:لست عليهم بوكيل،قال:فأيّهم أعجب إليك؟قال:أرضاهم لخالقه،قال:فأيّهم أرضى للخالق؟قال:علم-