الإدارة و القيادة في الإسلام - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٦ - ٦- التفكير بالحل للمشاكل والحوادث غير المتوقعة
لو أنّ أحداً رأى قاتل أبيه في مراسم الحج والعمرة فإنّه لا يزاحمه ولا يمنعه من أداء مناسكه، لأنّ مكّة تعتبر الحرم الإلهي الآمن ويزداد الأمن في مكّة في الأشهر الحُرم، مضافاً إلى أنّ هذه الحالة من الأمن كانت مؤثرة كثيراً في جذب جميع القبائل العربية إلى مكّة وحصلت مكّة على مكانة متميزة بين القبائل العربية.
ولكن كما يقول القرآن الكريم إنّ المشركين أصابتهم «حميّة الجاهلية» وعاشوا حالة من التعصب المقيت والحقد الدفين بحيث إنّهم نسوا جميع هذه القيم والمبادىء.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، عندما وصل الأمر إلى كتابة نص المعاهدة قال النبي الأكرم صلى الله عليه و آله للإمام علي عليه السلام اكتب «بسم اللَّه الرحمن الرحيم» هنا اعترض «سُهيل بن عمرو» سفير قريش قائلًا: إنّنا لانعلم هذا الجملة ويجب أن تكتب العبارة المعروفة لدى المشركين وهي «باسمِكَ اللّهُمّ»، وعندما أمر النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بكتابة: «هذا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ سُهَيْلَ بنَ عَمْرو»، اعترض سُهيل مرّة أخرى وقال: «إذا كُنّا نَعْتَقِدُ بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَلا نِزاعَ بَيْنَنَا»، فأمر النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بمحو هذه الكلمة، ولكن الإمام علي عليه السلام رأى أنّ ذلك مخالفاً للأدب ولذلك لم يتقدم لمحو هذه الكلمة، فما كان من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله إلّاأن محاها بنفسه [١].
وهنا كان العدو يتنظر ذريعة لنقض هذه المعاهدة وعدم المواقفة على هذا الصلح الذي يعتبر مقدمة لفتح كبير للمسلمين وقد سمّاه القرآن الكريم بالفتح المبين.
وكلّما عاش المسلمون في مقابل الحوادث المتوقعة حالات التعصب والإضطراب وحميّة الجاهلية كما كان حال أعدائهم، وفقدوا روح السكينة والطمأنينة المتولدة من الإيمان العميق وابتعدوا عن كلمة التقوى التي كانوا أهلًا لها، فمن البديهي أنّهم سيفقدون امتيازهم، في حين أنّ الأعداء عندما تورطوا في شراك العصبية وحمية الجاهلية فإنّهم أضاعوا فرصة ثمينة وقدّموا امتيازاً كبيراً للمسلمين، وتمثل ذلك في اعتناق العشرات
[١]. انظر: سيرة ابن هشام، ج ٣، ص ٣٣١ و ٣٣٢؛ طبعة الحلبي ١٣٣٥ ه ق، طبقات ابن سعد، ج ٢، ص ٩٥، طبعة بيروت؛ جامع السيرة، ص ٢٠٧ طبعة دار المعارف مصر.