الإدارة و القيادة في الإسلام - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٢ - ٥- إيجاد المحرك والدافع
نموذج آخر:
واللافت أنّه بعد فتح «مكّة» في السنة الثامنة للهجرة (أي بعد سنتين من صلح الحديبية) وعندما كان الإسلام ينتشر بسرعة بين القبائل العربية، قامت قبيلة «هوازن» وقبيلة «ثقيف» وقبيلة «بني سعد» وهي من القبائل المهمّة في جزيرة العرب، بالتخطيط للقضاء على المسلمين وتجهيز جيش كبيريبلغ عدد أفراده ثلاثين ألف رجل، وكان جيش المسلمين يومئذٍ مكوّن من اثني عشر ألف رجل، واصطف الجيشان للقتال.
وكان وادي «حنين» محل التقاء الجيشين، وكمن جيش العدو في أطراف هذا الوادي، وبينما كان جيش الإسلام يمرّ من هذا الوادي هجم الأعداء كالبرق الخاطف عليهم واستخدموا عنصر المباغتة، فتضعضع الجيش الإسلامي وتلاشى نظمه وفقدوا السيطرة على مواقعهم وتناثروا في كل حدب وصوب، وفي تلك اللحظة الحساسة من عمر الإسلام ومن حياة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله كان من اللازم الإقدام بسرعة للحيلولة دون انفراط هذا الجيش والسعي لجمع قواه المتناثرة ونفخ روح جديدة فيه لحفظه من الانهدام وعدم حلول الهزيمة به.
هنا أقدم النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بامداد إلهي على عملين مبتكرين مهمّين، الأول أنّ النبي لحدّ الآن لم يشترك بنفسه في أي معركة في قتال الأعداء وكان يكتفي بإدارة المعركة وقيادة الجيش، وفي هذه المعركة سلّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله سيفه ودخل المعركة بشجاعة فائقة.
ومن جهة أخرى قام «العباس» عمّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، وبإلهام من النبي، بتذكير المسلمين ببيعة الشجرة وصرخ فيهم بصوت عالٍ:
«يا مَعشَرَ المُهاجِرِينَ والأنصارِ يا أَصحابَ سُورَةِ البَقرةِ يا أَهلَ بَيعَةِ الشَّجَرة إِلى أَينَ تَفِرُّونَ، هَذا رَسُولُ اللَّه ...» [١]. (والتذكير بسورة البقرة يعود إلى وجود قصّة طالوت وجالوت وإعراض أكثر المشاركين في جيش طالوت عن القتال وبقيت ثلة من المؤمنين مع
[١]. تفسير «مجمع البيان»، ج ٥، ص ١٩؛ ذيل الآية ٢٥ من سورة التوبة.