سفينة النجاة و الكلمات الطريفة - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٢ - الفصل الرابع إشارة إلى كسر استبعاد مخالفة المشهور، و دفع توهم الدور في العمل بالمأثور
من الأخبار الإمامة، متناً و سنداً.
ثمّ، إنّي لم أكلّفكم بالعمل بكلّ ما يُروى، بل بما اطمأنّتْ إليه أنفسكم منها، و إلّا «فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ»[١] و أهملوه كما أَهمله اللَّه في سبله[٢]، فعلْمه موكول إلى اللَّه، و العمل موسّع علينا من اللَّه.
و بعد؛ فإنّ العمل بالأخبار متّفق عليه بين الإماميّة قاطبة، و ما أظنّك تستطيع ردّه و ردّ كتب الحديث رأساً، و خصوصاً الأصول الأربعة الّتي عليها المدار في ساير الأعصار؛ و إنّما الخلاف بيننا و بينك في العمل بالأصول الفقهيّة خاصّة. فالأصوليّون متّفقون مع الأخباريّين في العمل بالأخبار، لا يخالفونهم في ذلك إلّاشاذّ منهم كالسّيّد المرتضى[٣] و أتباعه،[٤] بل و لا هم؛ لأنّهم لا يردّون الأخبار الغير المتواترة رأساً، و إنّما يردّون نوعاً منها يسمّونه خبراً واحداً، لا يوجب علماً و لا عملًا. و ليس اصطلاحهم في ذلك موافقاً لاصطلاح من تأخّر عنهم؛ فإنّ المتأخّرين يسمّون كلّ ما ليس بمتواتر، آحاد. فالخبر الواحد في اصطلاحهم أعمّ منه في اصطلاح مَن تقدّم عليهم. و بهذا يندفع التّدافع بين كلامي السّيّد المرتضى و العلّامة في خبر الواحد ردّاً و قبولًا، و دعواهما الاتّفاق على طريق النّقيض، و لنذكر كلامهما و كلام من تأخّر عنهما حتّى يتبيّن لك الحقّ في ذلك؛ إن شاء اللَّه تعالى.
[١] - يوسف/ ٤٧.
[٢] - ق: سبيله.
[٣] - الذّريعة إلى أصول الشّريعة ٢/ ٥٢٨، رسائل الشّريف المرتضى ١/ ٢٠٣، ٣/ ٣٠٩، ٤/ ٣٣٦.
[٤] - غنية النّزوع ٢/ ٣٥٦، السّرائر ١/ ٤٨- ٤٧، ٥٠، معالم الدّين و ملاذ المجتهدين/ ١٨٩.