مسند الإمام الجواد أبي جعفر محمد بن علي الرضا(ع) - العطاردي، الشيخ عزيز الله - الصفحة ٥٦ - ٥- باب ما جرى بينه عليه السلام و المأمون
الرضا و قدم الخليفة المأمون الى بغداد وفاته بسنة اتفق ان المأمون خرج يوما يتصيد فاجتاز بطرف البلد و ثم صبيان يلعبون و محمد الجواد واقف عندهم فلما اقبل المأمون فر الصبيان و وقف محمد الجواد و عمره اذ ذاك تسع سنين فلما قرب منه الخليفة نظر إليه و كان اللّه تعالى القى في قلبه مسحة قبول.
فقال له: يا غلام ما منعك ان لا تفر كما فر اصحابك؟ فقال له محمد الجواد مسرعا:
يا امير المؤمنين فر اصحابي فرقا و الظن بك حسن انه لا يفر منك من لا ذنب له و لم يكن بالطريق ضيقا فانتحي عن امير المؤمنين، فاعجب المأمون كلامه و حسن صورته، فقال:
ما اسمك يا غلام؟ فقال: محمد بن عليّ الرضا فترحم الخليفة على ابيه و ساق جواده الى نحو و جهته و كان معه بزاة الصيد.
فلما بعد عن العمارة اخذ الخليفة بازيا منها و ارسل على دراجة فغاب البازي عنه قليلا ثم عاد و في منقاره سمكة صغيرة و بها بقاء من الحياة فتعجب المأمون من ذلك غاية العجب، ثم انه اخذ السمكة في يده و كر راجعا الى داره و ترك الصيد في ذلك اليوم و هو متفكر فيما صاده البازي من الجوّ.
فلما وصل موضع الصبيان وجدهم على حالهم و وجد محمدا معهم فتفرقوا على جاري عادتهم الا محمد فلما دنا منه الخليفة قال: يا محمد، قال: لبيك يا امير المؤمنين، قال: ما في يدي؟ فانطقه اللّه تعالى بان قال: ان اللّه تعالى خلق في بحر قدرته المستمسك في الجو ببديع حكمته سمكا صغارا فصاد منها بزاة الخلفاء كي يختبر بها سلالة بيت المصطفى.
فلما سمع المأمون كلامه تعجب منه و اكثر و جعل يطيل النظر فيه و قال: أنت ابن الرضا حقا و من بيت المصطفى صدقا و اخذه معه و احسن إليه و قربه و بالغ في اكرامه و اجلاله و اعظامه فلم يزل مشفقا به، لما ظهر له أيضا بعد ذلك من بركاته و مكاشفاته و كراماته و فضله و علمه و كمال عقله و ظهور برهانه مع صغر سنه.
و لم يزل المأمون متوافرا على تبجيله و اعظامه و اجلاله و اكرامه الى ان عزم على انه