مسند الإمام الجواد أبي جعفر محمد بن علي الرضا(ع) - العطاردي، الشيخ عزيز الله - الصفحة ٤٧ - ٥- باب ما جرى بينه عليه السلام و المأمون
أنصفتم القوم لكانوا أولى بكم، و اما ما كان يفعله من قبلي بهم فقد كان به قاطعا للرّحم، و أعوذ باللّه من ذلك، و و اللّه ما ندمت على ما كان منّي من استخلاف الرّضا، و لقد سألته أن يقوم بالأمر و انزعه عن نفسي فأبى، و كان أمر اللّه قدرا مقدورا.
و امّا ابو جعفر محمّد بن علي قد اخترته لتبريزه على كافة أهل الفضل في العلم و الفضل مع صغر سنّه، و الاعجوبة فيه بذلك، و أنا أرجو أن يظهر للنّاس ما قد عرفته منه، فيعلموا أنّ الرّأي ما رأيت فيه.
فقالوا: انّ هذا الفتى و ان راقك منه هديه، فانه صبّي لا معرفة له و لا فقه، فأمهله ليتأدّب و يتفقه في الدّين ثمّ اصنع ما تراه بعد ذلك، فقال لهم: و يحكم انّي اعرف بهذا الفتى منكم، و انّ هذا من أهل بيت علمهم من اللّه، و موادّه و الهامه، لم يزل آباؤه اغنياء في علم الدّين و الأدب عن الرّعايا النّاقصة عن حدّ الكمال، فان شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبيّن لكم به ما وصفت من حاله.
قالوا له: قد رضينا لك يا أمير المؤمنين و لأنفسنا بامتحانه، فخلّ بيننا و بينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شيء من فقه الشّريعة، فان أصاب الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في أمره، و ظهر للخاصّة و العامّة سديد رأي أمير المؤمنين، و ان عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب في معناه، قال لهم المأمون: شأنكم و ذاك متى أردتم.
فخرجوا من عنده و اجتمع رأيهم على مسئلة يحيى بن اكثم و هو يومئذ قاضي الزّمان، على أن يسأله مسئلة لا يعرف الجواب فيها، و وعدوه بأموال نفيسة على ذلك، و عادوا الى المأمون، فسألوه أن يختار لهم يوما للاجتماع فأجابهم الى ذلك، فاجتمعوا في اليوم الّذي اتّفقوا عليه، و حضر معهم يحيى بن اكثم، فأمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر عليه السلام دست و يجعل له فيه مسورتان، ففعل ذلك فخرج أبو جعفر عليه السلام و هو يومئذ ابن تسع سنين و أشهر. فجلس بين المسورتين، و جلس يحيى بن أكثم بين يديه، و قام النّاس في مراتبهم و المأمون جالس في دست متّصل بدست أبي جعفر عليه السلام.