تنقيح الأصول - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٢٥٥ - الفصل الثامن في الواجب التوصّلي و التعبّدي
الموجود في الخارج، فالأمر دائماً يتعلّق بما ليس بموجود فيه و لا تحقّق له فيه؛ ليوجده المكلّف، و أنّ متعلّق الأمر هي الطبيعة الملحوظة في الذهن.
فتحصّل: أنّه لا محذور في أخذ قصد الأمر في متعلّقه، و أنّه يمكن أن يتصوّر الآمر الإتيان بالطبيعة بقصد الأمر في ذهنه، ثمّ الأمر به، و لا يلزم منه محال.
و أمّا الوجه الثاني:- أي لزوم الدور- فجوابه واضح، فإنّ قصد الأمر في مقام الامتثال و إن يتوقّف على الأمر، لكن الأمر لا يتوقّف على قصده.
و أمّا الوجه الثالث: ففيه أنّا لا نسلّم جعل الأحكام على موضوعاتها بنحو القضيّة الحقيقيّة، التي تستدعي فرض وجود الموضوع، فإنّه ممنوع، مع أنّ فرض وجود الموضوع غير وجوده واقعاً، و الأوّل قائم بوجود الفارض، و لا يمتنع فرض وجوده قبل وجوده في الخارج.
الوجه الرابع: أنّه لو اخذ قصد الأمر في متعلّقه لزم اجتماع اللحاظين المتنافيين الآلي و الاستقلالي في زمان واحد، و هو محال؛ لأنّ الأمر بشيء يقتضي أن يتصوّره الآمر تصوّراً آليّاً؛ لأنّ الأمر للبعث، و أخذه في متعلّقه يستلزم تصوّره و تصوّر متعلّقه كلّ واحدٍ منهما استقلاليّاً؛ لاستلزام تقييده به ذلك، فيلزم اجتماع اللحاظين المذكورين، و هو محال [١].
و فيه: أنّ اجتماع اللحاظين إنّما يمتنع إذا كانا في زمان واحد، و ما نحن فيه ليس كذلك، بل فيه لحاظات متعدّدة في آنات متعدّدة، فإنّ الأمر يستدعي لحاظه استقلالًا أوّلًا، ثمّ لحاظ متعلّقه كذلك ثانياً و في الآن الثاني، ثمّ تصوّر الأمر آليّاً ثالثاً؛ لأنّه آلة للبعث، ثمّ لحاظه رابعاً استقلالًا لتقييد متعلّقه بقصده، فهذه اللحاظات و التصوّرات ليست في آنٍ واحد، بل في آنات متعدّدة مترتّبة، و لا محذور فيه، بل كثيراً ما يتّفق ذلك في المحاورات، كما في قولك: «ضربت زيدا يوم الجمعة أمام الأمير ضرباً شديداً»،
[١]- انظر نهاية الاصول ١: ٩٩، كفاية الاصول ١: ١٨٤- ١٨٥.