تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٦ - ذكر كتاب المعتضد في شان بنى اميه
خاتم النبيين و سيد المرسلين و القائمين بالدين، و المقومين لعباده المؤمنين، و المستحفظين ودائع الحكمه، و مواريث النبوه، و المستخلفين في الامه، و المنصورين بالعز و المنعه، و التأييد و الغلبه، حتى «يظهر الله دينه عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.»*
و قد انتهى الى امير المؤمنين ما عليه جماعه من العامه من شبهه قد دخلتهم في اديانهم، و فساد قد لحقهم في معتقدهم، و عصبية قد غلبت عليها اهواؤهم، و نطقت بها السنتهم، على غير معرفه و لا رويه، و قلدوا فيها قاده الضلالة بلا بينه و لا بصيره، و خالفوا السنن المتبعه، الى الأهواء المبتدعه، قال قال الله عز و جل: «وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ»، خروجا عن الجماعه، و مسارعه الى الفتنة و إيثارا للفرقة، و تشتيتا للكلمة و إظهارا لموالاة من قطع الله عنه الموالاة، و بتر منه العصمة، و اخرجه من الملة، و اوجب عليه اللعنه، و تعظيما لمن صغر الله حقه، و اوهن امره، و اضعف ركنه، من بنى اميه الشجرة الملعونه، و مخالفه لمن استنقذهم الله به من الهلكة، و اسبغ عليهم به النعمه، من اهل بيت البركه و الرحمه، قال الله عز و جل: «يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ*» فأعظم امير المؤمنين ما انتهى اليه من ذلك، و راى في ترك إنكاره حرجا عليه في الدين، و فسادا لمن قلده الله امره من المسلمين، و إهمالا لما أوجبه الله عليه من تقويم المخالفين و تبصير الجاهلين، و اقامه الحجه على الشاكين، و بسط اليد على العاندين.
و امير المؤمنين يرجع إليكم معشر الناس بان الله عز و جل لما ابتعث محمدا بدينه، و امره ان يصدع بامره، بدا باهله و عشيرته، فدعاهم الى ربه، و انذرهم و بشرهم، و نصح لهم و ارشدهم، فكان من استجاب له و صدق قوله و اتبع امره نفر يسير من بنى ابيه، من بين مؤمن بما اتى به من ربه، و بين ناصر له و ان لم يتبع دينه، إعزازا له، و إشفاقا عليه، لماضى علم الله