تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٤ - ذكر ابتداء امر القرامطة
ما جرى بينه و بين البقال في حق النوى، فوثبوا عليه فضربوه، و قالوا: ا لم ترض ان اكلت تمرنا حتى بعت النوى! فقال لهم البقال: لا تفعلوا، فانه لم يمس تمركم، و قص عليهم قصته، فندموا على ضربهم اياه، و سألوه ان يجعلهم في حل، ففعل و ازداد بذلك نبلا عند اهل القرية لما وقفوا عليه من زهده.
ثم مرض، فمكث مطروحا على الطريق، و كان في القرية رجل يحمل على اثوار له، احمر العينين شديده حمرتهما، و كان اهل القرية يسمونه كرميته لحمره عينيه، و هو بالنبطية احمر العينين، فكلم البقال كرميته هذا، في ان يحمل هذا العليل الى منزله، و يوصى اهله بالإشراف عليه و العنايه به، ففعل و اقام عنده حتى برا، ثم كان يأوي الى منزله، و دعا اهل القرية الى امره، و وصف لهم مذهبه، فأجابه اهل تلك الناحية، و كان يأخذ من الرجل إذا دخل في دينه دينارا، و يزعم انه يأخذ ذلك للإمام، فمكث بذلك يدعو اهل تلك القرى فيجيبونه و اتخذ منهم اثنى عشر نقيبا، امرهم ان يدعو الناس الى دينهم، و قال لهم: أنتم كحواريى عيسى بن مريم، فاشتغل اكره تلك الناحية عن اعمالهم بما رسم لهم من الخمسين الصلاة التي ذكر انها مفترضه عليهم.
و كان للهيصم في تلك الناحية ضياع، فوقف على تقصير اكرته في العمارة، فسال عن ذلك، فاخبر ان إنسانا طرا عليهم، فأظهر لهم مذهبا من الدين، و اعلمهم ان الذى افترضه الله عليهم خمسون صلاه في اليوم و الليلة، فقد شغلوا بها عن اعمالهم، فوجه في طلبه، فاخذ و جيء به اليه، فسأله عن امره، فاخبره بقصته، فحلف انه يقتله.
فامر به فحبس في بيت، و اقفل عليه الباب، و وضع المفتاح تحت وسادته، و تشاغل بالشرب، و سمع بعض من في داره من الجوارى بقصته، فرقت له.
فلما نام الهيصم أخذت المفتاح من تحت وسادته، و فتحت الباب و اخرجته، و اقفلت الباب، و ردت المفتاح الى موضعه فلما اصبح الهيصم دعا بالمفتاح ففتح الباب فلم يجده، و شاع بذلك الخبر، ففتن به اهل تلك الناحية، و قالوا:
رفع ثم ظهر في موضع آخر و لقى جماعه من اصحابه و غيرهم فسألوه عن قصته، فقال: ليس يمكن أحدا ان يبدأني بسوء، و لا يقدر على ذلك منى،