القواعد العامة في الفقه المقارن - الحكيم، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٥ - ثانيا نفي الضرر بين الرخصة و العزيمة
الملاك المقتضي لتشريعه ما يزال موجودا مع هذا الوضوء، و يترتّب عليه أثره، أقصاه أنّ التقرّب فيه إنّما كان بالملاك، لا بالأمر الوجوبي؛ لانتفائه هنا كما هو الفرض.
و التقرّب بالملاك-كما حقّق في الأصول-كاف في صحّة العبادة. [١]
الرأي المختار و التحقيق: أنّ مقتضى ما استفدناه من حديث (لا ضرر) من كونه واردا مورد الامتنان على المكلّفين، أنّ المستفاد منه الرخصة، لا العزيمة؛ لأنّ المنّة لا تقتضي أكثر من رفع الإلزام في الأحكام التكليفيّة، و اللّزوم في الأحكام الوضعية، و لا تكشف عن رفع أصل الملاك.
فالطبيب الذي يلزمك باستعمال دواء ما، لانطوائه على ملاك شفائك من مرضك، ثم يجد أنّ هذا الدواء يولّد لك ضررا مادّيا لغلائه، فيرفعه عنك مراعاة لك، و يبدله بآخر، فإنّ رفعه لا يكشف عن نفي الملاك و المصلحة فيه؛ لذلك لو قدّر لك أن تقدم على استعماله لأحدث لك الشفاء و إن تضرّرت به ماديا.
فوجود الحكم بعنوانه الأوّلي يكون كاشفا عن وجود الملاك، و وجود المنّة في رفع الضرر لا ينافي بقاءه، و التقرّب بالملاك كاف في تحقيق العبادة، كما مرّ.
و لازم ذلك أن يقال بصحّة العبادة هنا و إن لم يكن ملزما بها.
و كذلك الأمر بالنسبة إلى المعاملة الضرريّة؛ لأنّ (الضرر) لا ينفي أكثر من اللزوم، و مقتضى رفعه امتنانا أن يكون لك الخيار في إمضاء المعاملة الضررية أو تركها، لا بطلان أصلها.
و على هذا فمقتضى ما تفيده هذه القاعدة هو نفي الإلزام و اللزوم، لا أصل التشريع.
[١] . انظر: مستمسك العروة الوثقى ٥: ١٣١، و محاضرات في أصول الفقه ٣: ٥٧.