الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٣١١ - فصل في الأمر المؤقت بوقت محدود هل يجب في أوله أو آخره
المغنم قبل القسمة ، فلو جاز أكل ذلك اللحم لما أمر عليه السلام بإكفاء القدور وهي تفور .
وقد روي من طريق أخرى أنه عليه السلام جعل يرمله بالتراب ويقول : إن النهبة ليست بأحل من الميتة أو كلاما هذا معناه ، فإن اعترضوا بحديث الشاة التي روي أنه عليه السلام قال فيها : إني لأجد طعم لحم أخذ بغير إذن أهله ، أو كلاما هذا معناه ، قال : ثم أمر عليه السلام بإطعامه للأسارى ، فهذا حديث لا يصح لأنه إنما روي من طريق رجل من الأنصار ، ولم يأت من غير هذه الطريق أصلا فسقط الاحتجاج به ، وهرقه عليه السلام اللحم من القدور في الأرض ، مع نهيه عليه السلام عن إضاعة المال ، دليل واضح على أنه لا يحل أكله وهذا نص قولنا . وبالله تعالى التوفيق .
قال علي : وأما العمل المأمور به في وقت محدود الطرفين ، قد ورد النص بالفسحة في تأخيره - فإنه يجب بأول الوقت ، إلا أنه قد أذن له في تأخيره ، وكان مخيرا في ذلك وفي تعجيله ، فأي ذلك أدى فقد أدى فرضه ، إلا أنه يؤجر على التعجيل لتحصيله العمل ، واتهمه به ، ولا يأثم على التأخير لأنه فعل ما أبيح له ، وذلك مثل تأخير المرء الصلاة إلى آخر وقتها الواسع ، ولذلك أسقطنا الملامة والقضاء عن المرأة تؤخر الصلاة عن أول وقتها فتحيض فعلت ما أبيح لها ، ومن فعل ما أبيح له فقد أحسن . وقال تعالى : * ( ما على المحسنين من سبيل ) * فسقطت الملامة . وقد أخر عليه السلام الصلاة إلى آخر وقتها ، فصح بذلك أن ذلك جائز مباح حسن ، وإن كان التعجيل أحسن ، وسقط القضاء عنها لخروج الوقت ، لأنه يؤدي عمل إلا في وقته المأمور به ، كما أسقط خصومنا - موافقين لنا - القضاء عن المغمى عليه أكثر من خمس صلوات ، وبعضهم أسقطها عن المغمى عليه صلاة فما فوقها .
وأما كل عمل محدود الطرف الأول غير محدود الطرف الآخر ، فإن الامر به ثابت متجدد وقتا بعد وقت ، وهو ملوم في تأخيره ، لأنه لم يفسح له ذلك ، وكلما أخره حصل عليه اسم التضييع ، وإثم الترك لما أمر به . فإن أداه سقط عنه إثم الترك ، وقد استقر عليه إثم ترك البدار . ولا يسقطه عنه إلا ربه تعالى بفضله