الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٣٥٦ - الباب الثالث عشر في حمل الأوامر على العموم
بعض ذلك أولى بالاتباع من بعض ، ومن فعل غير هذا فقد تحكم بلا دليل .
ويقال لهم : ما الفرق بينكم وبين من قال : لعل الخطاب الوارد إنما خص به الصحابة دون غيرهم ؟ فكل ما قالوا ههنا فهو مردود عليهم في دعواهم خصوص بعض ما يقع عليه الخطاب دون بعض .
ويقال لهم : بأي شئ استجزتم قتل من قتلتم من المشركين ، وقطع من قطعتم من السراق ، وجلدتم من جلدتم من الزناة ، وحد من حددتم من القذفة ، وخصصتموهم بإيقاع هذه الأحكام عليهم ، دون سائر من يقع عليه اسم زان أو قاتل أو قاذف أو سارق ، فهل ههنا إلا أنهم سرقوا وقتلوا وزنوا وقذفوا ؟ فهكذا فعل غيركم ممن أخرجتموه من الخطاب ، وأسقطتم عنه ما حملتم على هؤلاء ، فلأي معنى خصصتم من أمضيتم عليه الحكم دون من لم تمضوه عليه ؟ فإن قالوا : بدلائل دلت على ذلك ، لم نأب ذلك ، وقلنا لهم : هذا قولنا ، وحسبنا أننا قد أزلناكم عن الحكم بالخصوص المجرد الذي هو الافتراء على الله عز وجل في الحكم عنه تعالى بما لم يأذن به ، وقد رام قوم أن يفرقوا بين الأوامر والاخبار ، واحتجوا بأنهم مضطرون إلى العمل بالأوامر ، وليست الاخبار كذلك .
وقال علي : وهذا فرق فاسد ، لأننا مضطرون إلى وجوب اعتقاد صحة الاخبار وإلى الاقرار بها - وهي التي وردت بها النصوص - كما نحن مضطرون إلى العمل بالأوامر ، ولا فرق ، والاعتقاد الصحيح فعل الله تعالى في النفس والاقرار بالمعتقد فعل النفس بتحريكها آلات الكلام من اللسان والحنك ومخارج الحروف ، فلا بد لها من أن تخص بالاقرار بما اعتقدت أو تعم ، وخوف الخطأ في العمل في الأوامر ، كخوف الخطأ في الاعتقاد للاخبار على ما لا يجوز ، واعتقاد الباطل لا يجوز ، كما لا يجوز العمل بالباطل فصح أن الاخبار كالأوامر ولا فرق .
واحتج بعض من سلف من القائلين بالعموم على القائلين بالخصوص فقال :
ما تقولون في قوله تعالى : * ( الله وخاتم ) * للنبيين من العرب دون غيرهم ، أم عموم بنفس اللفظ ؟ فإن قالوا : خصوص كفروا ، وإن قالوا : عموم بنفس اللفظ ، تركوا لمذهبهم الفاسد ، فإن ادعوا أن ذلك إجماع ، لزمهم أن لا يقولوا إلا بما أجمع عليه فقط ، وقد قدمنا إفساد هذا القول فإنهم لو قالوا