الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٣٣٨ - الباب الثالث عشر في حمل الأوامر على العموم
في الركوع والرفع فرضا ، وقد جاء به الامر ، ورأوا النية في الوضوء فرضا ، ولم يروا فعل الاستنثار فرضا ، وبكل ذلك جاء الامر سواء ، ورأوا الخيار قبل التفرق في البيع فرضا ، ولم يروا الاشهاد فيه فرضا ، وبكل ذلك جاء الامر . ومثل هذا كثير : ورأوا الايتاء من مال الله للمكاتب فرضا ولم يروا كتابة من دعا إلى المكاتبة مما ملكت أيمانكم فرضا ، وكلاهما جاء به الامر مجيئا مستويا ، وفيم ذكرنا طرف يستدل به على تناقض من قال بالوقف وبالله تعالى التوفيق .
وقد ذكرنا أقسام الأوامر في كتاب التقريب فأغنى عن إعادتها ، وسنذكر إن شاء الله تعالى الدلائل المخرجة للامر عن موضوعه في الايجاب إلى سائر أقسامه ، في فصل آخر باب العموم التالي لكلامنا في هذا إن شاء الله عز وجل ، وبالله تعالى التوفيق ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، والله الموفق للصواب .
الباب الثالث عشر في حمل الامر وسائر الألفاظ كلها على العموم وإبطال قول من قال في كل ذلك بالوقف أو الخصوص ، إلا ما أخرجه عن العموم دليل حق قال علي : اختلف الناس في هذا الباب ، فقالت طائفة : لا تحمل الألفاظ إلا على الخصوص ، ومعنى ذلك حملها على بعض ما يقتضيه الاسم في اللغة دون بعض ، وقال بعضهم : بل نقف فلا نحملها على عموم ولا خصوص إلا بدليل ، فالقول الأول هو لبعض الحنفيين ، وبعض المالكيين ، وبعض الشافعيين ، والثاني لبعض الحنفيين ، وبعض المالكيين وبعض الشافعيين ، وقالت طائفة : الواجب حمل كل لفظ على عمومه ، وهو كل ما يقع عليه لفظه المرتب في اللغة للتعبير عن المعاني الواقعة تحته ، ثم اختلفوا على قولين ، فقالت طائفة منهم : إنما يفعل ذلك بعد أن ينظر هل خص ذلك اللفظ شئ أم لا ، فإن وجدنا دليلا على ذلك صرنا إليه ، وإلا حملنا اللفظ على عمومه دون أن نطلب على العموم دليلا ، وهذا قول عض الشافعيين وبعض الحنفيين .
وقالت طائفة الواجب حمل كل لفظ على عمومه ، وكل ما يقتضيه اسمه دون توقف ولا نظر ، لكن إن جاءنا دليل يوجب أن نخرج عن عمومه بعض ما يقتضيه