الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٢٧٢ - الباب الثاني عشر في الأوامر والنواهي الواردة في القرآن والحديث والأخذ بظاهرها وحملها على الوجوب والفور وبطلان التأويل
بيانا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنقل الآية عن ظاهرها إلى باطن ما صرنا إليه طائعين ، وإن لم يوجدونا بيانا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فليس أحد أولى بالتأويل - في باطن ما تحتمله تلك الآية - من آخر من تأول أيضا . ومن الباطل المحال أن يكون للآية باطن لا يبينه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان يكون حينئذ لم يبلغ كما أمر وهذا لا يقوله مسلم ، فبطل ما ظنوه .
وقد أتت الأحاديث الصحاح بحمل كل كلام على ظاهره كما حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي قال : ثنا محمد بن معاوية المرواني ، عن أحمد بن شعيب النسائي ، ثنا محمد بن عبد الله بن المبارك ، ثنا أبو هشام - واسمه المغيرة بن سلمة المخزومي بصري ثقة - قال علي وأنبأناه أيضا عبد الله بن يوسف بن نامي ، عن أحمد بن فتح ، عن عبد الوهاب بن عيسى ، عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن علي ، عن مسلم بن الحجاج ، حدثني زهير بن حرب . ثنا يزيد بن هارون ، قال علي : واللفظ لفظ المغيرة ، قال المغيرة ويزيد :
ثنا الربيع بن مسلم ، ثنا محمد بن زياد ، عن أبي هريرة قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال : إن الله تعالى قد فرض عليكم الحج فقام رجل فقال : أفي كل عام ؟
فسكت عنه ، حتى أعاده ثلاثا . فقال : لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت ما قمتم بها ، ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بالشئ فخذوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه .
وقد روي أيضا من طرق صحاح إلى الزهري ، عن أبي سنان ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد روي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن نفعل ما أمر به ما نستطيع ، وأن نجتنب ما نهى عنه من طريق أبي هريرة مسندا إلى النبي صلى الله عليه وسلم - أبو سلمة بن عبد الرحمن ، وسعيد بن المسيب ، وأبو صالح ، والأعرج ، وهمام بن منبه ومحمد بن زياد ، كلهم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه عن همام معمر ، ورواه عن الأعرج أبو الزناد ، ورواه عن أبي صالح الأعمش ، ورواه عن سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة الزهري ، ورواه عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة مسندا أيضا شعبة ، والربيع بن مسلم ، ورواه عمن ذكرنا الثقات الأكابر .
قال علي : فبين عليه السلام في هذا الحديث بيانا لا إشكال فيه أن كل ما أمر به فهو واجب ، حتى لو لم يقدر عليه . وهذا معنى قوله تعالى : ولو شاء الله