الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٣٥٤ - الباب الثالث عشر في حمل الأوامر على العموم
وبين من قال : بل اللفظ محمول على الذي أخرجتم عنه أنتم ، وغير محمول على الذين حملتموه أنتم عليه ، فإن قالوا : الدليل كذا صاروا إلى أن التخصيص إنما كان بدليل غير حمل اللفظ على بعض ما يقتضيه دون بعض بغير دليل ، وهذا الامر لا ننكره ، بل نقول متى قام الدليل على التخصيص صرنا إليه ، وبطل بهذا حمل الاسم على بعض ما يقتضيه دون بعض بغير دليل ، فذلك ما أردنا أن نبين ، وهذا ترك منهم لمذهبهم الفاسد ، وإن لم يكن بأيديهم إلا الاقتصار على التخصيص لمن خصوا بلا دليل ، حصلوا على التحكم والدعوى ، وكل دعوى بلا دليل فهي ساقطة ، وبالله تعالى التوفيق .
احتجوا على القائلين بالوقف فقالوا : هذا القول إلى متى يكون ؟ فإن حدوا حدا كانوا متحكمين بلا دليل ، وإن قالوا حتى ننظر في دلائل القرآن والسنة ، سألناهم فقلنا لهم : فإن لم تجدوا دليلا على عموم ولا خصوص ، ولم تجدوا غير اللفظ الوارد ماذا تصنعون ؟ فإن قالوا : نقف أبدا أقروا بالعصيان ومخالفة الأوامر ، وأدى قولهم إلى أن الله يبين مراده ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين ولم يبلغ وهذا كفر .
وإن قالوا : إن لم نجد دليل على الخصوص صرنا إلى العموم ، فقد رجعوا إلى ما نكروا ، وأقروا بأنهم إنما حملوا الكلام على العموم بصيغته ولفظه ، وبعدم الدليل على الخصوص ، وهذا هو نفس قولنا الذي أبوه أولا عادوا إليه من قريب ، فإن قال قائل : إن هذا لا يوجد لزمهم السؤال الذي سألنا به أولا من قولنا لهم : هل يخلو الدليل من أن يكون لفظا آخر ، أو معنى مستخرجا من لفظ ؟
وألزمهم إيقاظ التفاهم أبدا ، وأيضا فإن ذلك موجود وقد قال تعالى : * ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) * ولم تؤكد بشئ أصلا وهذا عندهم محمول على عمومه ، وقد قال تعالى : * ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء . ولم يأت بتوكيد زائد فحملوه على عمومه دون دليل غيره وارد اللفظ فقط ، ومثل هذا كثير جدا ، بل هو الأكثر في القرآن والسنة ، وإنما ادعوا الخصوص في مسائل يسيرة ، وليس هذا مكان احتجاجهم بقرينة الوعيد ، لأننا إنما نكلمهم في عموم كل ما اقتضاه اللفظ لا في الوجوب .