الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٣٤٤ - الباب الثالث عشر في حمل الأوامر على العموم
قال علي : نحن لا ننكر أن يرد دليل يخرج بعض الألفاظ عن موضوعها في اللغة ، بل أجزنا ذلك ، وهاتان الآيتان قد قام البرهان الضروري على أن المراد بخلقه تعالى كل شئ : أن ذلك في كل ما دونه عز وجل على العموم ، وهذا مفهوم من نص الآية ، لأنه لما كان تعالى هو الذي خلق كل شئ ، ومن المحال أن يحدث أحد نفسه لضرورات براهين أحكمناها في كتاب الفصل ، صح أن اللفظ لم يأت قط لعموم الله تعالى فيما ذكر أنه خلقه ، وكذلك لما كان المخبرون لهؤلاء بأن : * ( الناس قد جمعوا لهم ) * ناسا غير الناس الجامعين ، وكان الناس الجامعون لهم غير الناس المخبرين لهم ، وكانت الطائفتان معا غير المجموع لها ، علمنا أن اللفظ لم يقصد به إلا ما قام في العقل ، وإنما ننكر دعوى إخراج الألفاظ عن مفهومها بلا دليل ، وكذلك لا ننكر نسخ الامر كله بدليل يقوم على ذلك ، وإنما ننكر دعوى النسخ بلا دليل .
قال علي : وموهوا أيضا بأن قالوا : لو كان للعموم صيغة تقتضيه ، ولفظ موضوع له ، لما كان لدخول التأكيد عليه معنى ، لأنه كان يكتفى في ذلك باللفظ الدال على العموم .
قال علي : وهذا تعليم منهم لربهم أشياء استدركوها لا ندري ما ظنهم فيها ، أنسيان أم فوات أم عمد ؟ وكل هذا كفر ، وهذا جري منهم على عادتهم في الحكم بالقياس في أشياء ادعوا أن ربهم تعالى لم يذكرها ، ولا حكم فيها ، ونحن نبرأ إلى الله تعالى من ذلك ، ونقول : إنه علم لنا إلا ما علمنا ، وأن التأكيد في اللغة موجود كثير ، كتكراره تعالى ما كرر من الاخبار ، وكتكراره عز وجل سورة واحدة : * ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) * إحدى وثلاثين مرة : * ( ويفعل الله ما يشاء ) * و : * ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) * ولهذا أعظم الفائدة لأنه تعالى علم أنه سيكون في خلقه قوم أمثالهم يرومون إبطال الحقائق فحسم من دعاويهم ما شاء بالتأكيد ، وليقيم بذلك الحجة عليهم وترك التأكيد فيما شاء ، ليضلوا فيها ويستحق منهم من قلد وعاند العذاب الأليم ، ويؤجر من أطاع وسلم الاجر الجزيل بمنه وطوله ، لا إله إلا هو ولو أنه تعالى لم يكرر ما كرر من أخبار الأمم السالفة ، ومن أمره فأقيموا