الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٢٨٧ - فصل في كيفية ورود الأمر
قال علي : وهذا خبر على التأبيد ، وأمر على التأكيد ، لا يجوز أن يدخل فيه نسخ أبدا لنصه عليه السلام ، على أن ذلك باق إلى يوم القيامة ، فمن أجاز ورود نسخ لهذا ، فقد أجاز الكذب من الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن أجاز ذلك فهو كافر مشرك حلال الدم والمال ، وسبحان من يسر لهؤلاء القوم عكس الحقائق ، فيجعلون ما قد جاء النص فيه بأنه خاص عاما ، وما جاء فيه النص بأنه عام خاصا ، وبالله تعالى نتأيد . وإنما سفك عليه السلام فيها الدماء المباحة ، ونهى عن الاقتداء به ذلك جملة ، وقولنا في هذا هو قول عبد الله بن عمر وعطاء وغيرهما ، وكان عبد الله بن عمر يقول : لو لقيت فيها قاتل عمر ، ما ندهته .
قال علي : فما ورد من الأوامر والنواهي على الصفتين المذكورتين فهو فرض أبدا ما لم يرد نص أو إجماع على أنه منسوخ ، أو أنه مخصوص ، أو أنه ندب ، أو أنه بعض الوجوه الخارجة عن الالزام على ما سنفرد لها فصلا في آخر هذا الباب إن شاء الله تعالى ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
قال علي : وأما صورة الندب ، فهو أن يرد اللفظ : أو بمدح الفاعل أو للفعل مثل قول عليه السلام إذ قال : يهلك الناس هذا الحي من قريش ثم قال عليه السلام : لو أن الناس اعتزلوهم فكان هذا ندبا إلى ترك القتال مع المتأولين منهم ، ومثل قوله عليه السلام : لو اغتسلتم وإنما أوجبنا غسل الجمعة بحديث آخر فيه لفظ الايجاب ، وأما المدح فمثل قوله تعالى : * ( وفيه رجال يحبون ان يتطهروا ) * فكان ذلك حضا على مثل فعلهم وهو الاستنجاء بالماء ، ومثل إخباره صلى الله عليه وسلم :
أن لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة وما أشبه ذلك . فما جاء باللفظ الذي ذكرنا فهو ندب لا إيجاب ، يعلم ذلك بصيغة اللغة ومراتبها ، علم بضرورة لا يفهم سواه .
قال علي : وأما أمر الإباحة فإنه يراد بلفظ أو مثل قوله تعالى : * ( من صيام أو صدقة أو نسك ) * ومثل قوله عليه السلام ، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا ، وأن العجب ليكثر ممن حمل ما روى النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر