الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٢٧٨ - الباب الثاني عشر في الأوامر والنواهي الواردة في القرآن والحديث والأخذ بظاهرها وحملها على الوجوب والفور وبطلان التأويل
تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ) * .
قال علي : وما ندري ماذا تأدى إليهم في هذا اللفظ من إيجاب الخطبة .
ويقولون إن الصيام في الاعتكاف فرض ، إذا سئلوا عن برهان ذلك قالوا :
ذكر الله تعالى الاعتكاف إثر ذكر الصيام ، وعلى هذا فكل شريعة ففرض ألا تتم إلا بضم كل شريعة في القرآن إليها ، فلا حج لمن لم يصل . ولا صلاة لمن أفطر في رمضان ، ولا نكاح لمن لا يقسط في اليتامى ، فينفسخ نكاحه مع امرأته ، لان الله تعالى عطف النكاح على أمر اليتامى فقال تعالى : * ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) * لأنها كلها معطوف بعضها على بعض .
ثم قالوا : في قوله تعالى : * ( وأتموا الحج ولعمرة لله ليست العمرة فرضا ، وقد عطفها تعالى على الحج عطفا شركها به معه في الاتمام ، ولم يعطف الاعتكاف على الصيام ، ولا الصيام على الاعتكاف ، وإنما عطف النهي عن المباشر في حال الاعتكاف على أحكام الصيام ، عطف جملة على جملة ، لا عطف اشتراك .
ثم قالوا في قوله تعالى في قسمة الخمس : * ( واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ) * الآية فقالوا : ليس هذا فرضا ، وللامام أن يضع الخمس حيث رأى من مصالح المسلمين ، هذا وهم يسمعون الله تعالى يقول في قسمة الخمس على من سمى : ( ان كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا ) وقالوا في آية الصدقات وقد قال تعالى في آخرها : * ( فريضة من الله ) * فقالوا ليست فريضة لهؤلاء فمن أضل ممن جعل الخطبة والصيام في الاعتكاف فرضا ولم يأت به أمر ، ولا ندب ، وأسقط إيجاب ما سماه الله تعالى فريضة ، وقال فيه :
( ان كنتم آمنتم بالله ) وأما المالكيون فإنهم احتجوا في عتق الأخ يملكه أخوه بقوله تعالى : * ( إني لا أملك إلا نفسي وأخي ) * وما عقل قط ذو لب وجوب عتق الأخ من هذه الآية كما لم يعقل وجوب صلاة الظهر منها ، وأسقطوا النفقة على الوارث بآرائهم وقد قال تعالى : ( وعلى المولود له رزقهن و كسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس