الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٢٨٠ - الباب الثاني عشر في الأوامر والنواهي الواردة في القرآن والحديث والأخذ بظاهرها وحملها على الوجوب والفور وبطلان التأويل
فالكلام في الامر الثاني كالكلام في الامر الأول ، وهذا لا إلى غاية ، فعلى هذا لا يثبت وجوب أمر أبدا .
وقالوا أيضا محتجين عن أهل الوقف : المعصية في اللغة هي مخالفة الامر ، والطاعة هو تنفيذ الامر ، وقال الله تعالى : * ( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها ) * وقال تعالى : * ( وما أرسلنا من رسول ألا ليطاع بإذن الله ) * فثبت الوجوب في الأوامر ضرورة ، بحكم الله تعالى فالنار على من تركها .
قال علي : ويقال لمن قال بالوقف : ماذا تصنع إن وجدت أوامر واردة من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم خالية من قرينة بالجملة ، ولا دليل هناك يدل على أنها فرض ، ولا على أنها ندب ، فلا بد من أحد ثلاثة أوجه إما أن يقف أبدا ، وفي هذا ترك استعمال أوامر الله تعالى ، وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهذا هو نفسه ترك الديانة ، أو يحمل ذلك على الندب ، فيجمع وجهين ، أحدهما : القول بلا دليل ، والثاني ، استجازة مخالفة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بلا برهان ، أو يحمل ذلك على الفرض ، وهذا قولنا ، وفي ذلك ترك لمذهبه وأخذ بالأوامر فرضا بنفس لفظها دون قرينة ، وبالله تعالى التوفيق .
قال علي : فإن تعلقوا بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم بني قريظة : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فصلى قوم العصر قبلها وقالوا : لم يرد هنا هنا ، وصلاها آخرون بعد العتمة فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدة من الطائفتين .
قال علي : هذا حجة لهم فيه أيضا ، ولو شغب بهذا الحديث من يرى الحق في القولين المختلفين لكان أدخل في الشغب ، مع أنه لا حجة لهم فيه أيضا .
فأما احتجاج من حمل الأوامر على غير الوجوب ، فلا حجة لهم فيه ، لأنه قد كان تقدم من رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر في وقت العصر أنه مذ يزيد ظل الشئ على مثله إلى أن تصفر الشمس ، وأن مؤخرها إلى الصفرة بغير عذر يفعل فعل المنافقين ، فاقترن على الصحابة في ذلك اليوم أمران واردان ، واجب أن يغلب أحدهما على الآخر ضرورة ، فأخذت إحدى الطائفتين بالامر المتقدم ، وأخذت