الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٢٨٤ - فصل في كيفية ورود الأمر
وقد فرق صلى الله عليه وسلم بين أمر الفرض ، وأمر التخيير بفرق ، ولا مدخل للشغب فيه بعده ، وهو ما حدثناه عن عبد الله بن يوسف ، عن أحمد بن فتح ، عن عبد الوهاب بن عيسى ، عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن علي ، عن مسلم ، ثنا أبو كامل فضيل بن حسين الجحدري ، ثنا أبو عوانة ، عن شيبان ، عن عثمان بن عبد الله بن موهب ، عن جعفر بن أبي ثور ، عن جابر بن سمرة ، قال : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتوضأ من لحوم الغنم ؟ قال : إن شئت فتوضأ ، وإن شئت فلا تتوضأ قال : أتوضأ من لحوم الإبل ؟ قال : نعم فتوضأ من لحوم الإبل .
قال علي : فأورد عليه السلام الوضوء الذي ليس عليه واجبا بلفظ التخيير ، وأورد الآخر بلفظ الامر فقط ، ولو كان معناهما واحدا ، لما كان عليه السلام مبينا للسائل ما سأل عنه ، وهذا ما لا يظنه مسلم ، والله الهادي إلى سواء السبيل ، وحسبنا الله ونعم الوكيل فصل في كيفية ورود الامر قال علي : الأوامر الواجبة ترد على وجهين : أحدهما : بلفظ افعل ، أو افعلوا ، والثاني : بلفظ الخبر إما بجملة فعل وما يقتضيه من فاعل أو مفعول ، وإما بجملة ابتداء وخبر .
فأما الذي يرد بلفظ افعل أو افعلوا ، فكثير واضح مثل : * ( أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) وخذ ( من أموالهم صدقة ) وما أشبه ذلك .
وأما الذي يرد بلفظ الخبر وبجملة فعل وما يقتضيه فكقوله تعالى : * ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) * وكقوله تعالى : ( ان الله يأمر كم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) وكقوله تعالى : ( كتب عليكم الصيام ) و " كتب عليكم القتال " و " حرمت عليكم أمهاتكم " و " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم " وأمرت أن أسجد على سبعة أعظم وما أشبه ذلك وكثير من الأوامر التي ذكرنا وردت كما ترى بمفعول لم يسم فاعله ، ولكن لما قال عز وجل - وقوله الحق - عن نبيه صلى الله عليه وسلم " وما لنطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى " علمنا يقينا لا مجال للريب فيه ، أنه لا ينقل أمرا ولا نهيا الا عن ربه تعالى ، فكان السكوت عن تسمية