الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٣٢١ - فصل في الأمر بعد الحظر
فصل في الامر بعد الحظر ومراتب الشريعة قال علي : قد بينا في غير موضع : أن مراتب الشريعة خمسة : حرام وفرض ، وهذان طرفان ، ثم يلي الحرام المكروه ، ويلي الفرض الندب ، وبين الندب والكراهة واسطة وهي الإباحة ، فالحرام ما لا يحل فعله ويكون تاركه مأجورا مطيعا ، وفاعله آثما عاصيا ، والفرض ما لا يحل تركه ويكون فاعله مأجورا مطيعا ، ويكون تاركه آثما ، والمكروه هو ما إن فعله المرء لم يأثم ولم يؤجر ، وإن تركه أجر ، والندب هو ما إن فعله المرء أجر ، وإن تركه لم يأثم ولم يؤجر ، والإباحة هي ما إن فعله المرء لم يأثم ولم يؤجر ، وإن تركه لم يأثم ولم يؤجر ، كصبغ المرء ثوبه أخضر أو أصفر ، فإذا نسخ الحظر نظرنا ، فإن جاء نسخه بلفظ الامر فهو فرض واجب فعله بعد أن كان حراما ، وإن كان أتى فعل لشئ تقدم فيه النهي فهو منتقل إلى الإباحة فقط ، والنهي باق على الاختيار ، وكذلك الامر إذا أتى بعده فعل بخلافه فهو منتقل إلى الإباحة ، والامر باق على الندب ، كما قلنا في أمره عليه السلام الناس إذا صلى إمامهم جالسا أن يصلوا وراءه جلوسا ، ثم صلى عليه السلام في مرضه الذي توفي فيه جالسا ، والناس وراءه وأبو بكر إلى جنبه قائم ، فعلمنا أن نهيه عليه السلام عن القيام للمذكر خاصة ندب واختيار ، إلا أن يفعل ذلك تعظيما للامام فهو حرام ، وعلمنا أن الوقوف له مباح ، وإنما هذا فيما تيقنا فيه للمتقدم والمتأخر ، وأما ما لم يعلم أي الخبرين كان قبل ، فالعمل بذلك الاخذ بالزائد ، والاستثناء على ما قدمناه ، وبالله تعالى التوفيق .
قال علي : وقد ادعى بعض من سلف أنه تقرأ الأوامر كلها الواردة بعد لحظر ، فوجدها كلها اختيارا أو إباحة ، وذكر من ذلك قوله تعالى : * ( وإذا حللتم فاصطادوا ( فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمر كم الله ) ونهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، وعن الانتباذ في الظروف فانتبذوا * ( فالآن باشروهن