الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٢٨١ - الباب الثاني عشر في الأوامر والنواهي الواردة في القرآن والحديث والأخذ بظاهرها وحملها على الوجوب والفور وبطلان التأويل
الطائفة الأخرى بالامر المتأخر ، إلا أن كل واحدة من الطائفتين حملت الامر الذي أخذت به على الفرض والوجوب ، وغلبته على الامر الثاني .
وقد ذكرنا هذا النوع من الأحاديث فيما خلا ، وبينا كيفية العمل في ذلك ، ولو أننا حاضرون يوم بني قريظة لما صلينا العصر إلا فيها ، ولو بعد نصف الليل ، على ما قد بينا في رتبة العمل في جميع الأحاديث التي ظاهرها الاختلاف ، وهي في الحقيقة متفقة من الاخذ بالزائد ، ومن استثناء الأقل معاني من الأكثر معاني ، وقد جمع هذان الحديثان كلا الوجهين معا ، فأمره عليه السلام في ذلك اليوم بأن لا يصلى صلاة العصر إلا في بني قريظة ، أمر خاص في صلاة واحدة ، من يوم واحد في الدهر فقط ، فكان ذلك مستثنى من عموم أمره يصلى كل عصر ، من كل يوم في الأبد يخرج وقت الظهر إلى أن تصفر الشمس ، وأما ما لم تغب للمضطر حاشى يوم عرفة .
وأيضا فإن أمره عليه السلام بألا يصلى العصر من ذلك اليوم إلا في بني قريظة ، شريعة زائدة ، وأمر وارد بخلاف الحكم السالف ، وبخلاف معهود الأصل في حكم صلاة العصر قبل ذلك اليوم وبعده ، فواجب طاعة ذلك الامر الحادث ، والشرع الطارئ ، لما قدمنا من البراهين على وجوب القبول لكل ما أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه تعالى ، وكان أمره بألا يصلى العصر في ذلك اليوم إلا في بني قريظة كقوله ليلة يوم النحر في الحج - وقد ذكر بصلاة المغرب - فقال عليه السلام : الصلاة أمامك فكان ذلك عند جميع المسلمين ناقلا لوقت المغرب في تلك الليلة خاصة في الحج خاصة ، في ذلك المكان خاصة ، عن وقتها المعهود إلى وقت آخر . ولا فرق بين ورود ما أمر به في العصر يوم بني قريظة ، وفي المغرب ليلة المزدلفة ، وهذا بين لمن تأمله .
قال أبو محمد : وأما إن احتج بهذا الحديث من يرى الحق في القولين المختلفين وقال : ترك النبي صلى الله عليه وسلم أن يعنف كل واحدة من الطائفتين ، دليل على أن كل واحدة منهما مصيبة .
قيل له ، وبالله التوفيق : لا دليل فيه على ما ذكرت ، ولكنه دليل واضح على أن إحدى الطائفتين مصيبة مأجورة أجرين ، والأخرى مجتهدة مأجورة