الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٢٩٨ - فصل في كيفية ورود الأمر
قال علي : وقد سأل أبو بكر محمد بن داود - رحمة الله عليه - من أجاز تأخير الحج فقال : متى صار المؤخر للحج إلى أن مات عاصيا ، أفي حياته فهذا غير قولكم أو بعد موته ؟ فالموت لا يثبت على أحد معصية لم تكن لازمة في حياته .
قال علي : ونحن نزيد في هذا السؤال فنقول : وبعد الموت لا يأثم أحد إلا من سن سنة سوء يقتدى به فيها .
فأجابه بعض المجيزين لذلك - وهو أبو الحسن القطان الشافعي - بأن قال : إنما كان له في التأخير بشرط أن يفعل قبل أن يموت ، فلما مات قبل أن يفعل علمنا أنه لم يكن له مباحا التأخير .
قال علي : ونحن نقول : إن أبا الحسن لم يحقق الجواب الشافي ، وكان أدخل في الشغب لو قال : إنه إثم في آخر عام قدر فيه على الحج ولم يحج ، كما قال الشافعي فيمن حلف بالطلاق ، إن لم يطلق امرأته ، إنها لا تطلق إلا آخر أوقات صحته التي كان فيها قادرا على الطلاق .
قال علي : ونحن نجيب في هذين الجوابين معا ببيان لائح بحول الله وقوته فنقول : قال الله تعالى : * ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) * وإنما يلزم الله تعالى الاثم من ترك ما لم يعلم أنه ليس له تركه ، أو قامت عليه بذلك حجة ، أو عمل ما يعلم أنه ليس له أن يعمله ، أو قامت عليه حجة بذلك ، ولم يطلع الله أحدا على وقت منيته ، ولا عرفه بآخر أوقات قدرته ، ولا قامت عليه حجة في ذلك الوقت إلا ما قد قام في سائر الأحوال قبل ذلك ، ولا حدث عليه من الأوامر إلا ما حدث قبل ذلك الوقت ، فإن كان عاصيا في ذلك الوقت فهو عاص قبل ذلك الوقت ، وإن لم يكن عاصيا قبل ذلك الوقت فليس عاصيا في ذلك الوقت ، إلا بنص يخص ذلك الوقت ، بوقوع المأثم فيه دون غيره ، ومن فرق بين الأوقات بلا نص ولا إجماع ، فقد قال بلا علم وذلك حرام .
وأيضا فإن الله تعالى لم يكلف أحدا أن يعلم هل يموت قبل أن يؤدي ما عليه فيأثم ، أو يعلم أنه لا يموت حتى يؤدي فيسقط عنه المأثم ، وقول القطان يوجب أن الناس مكلفون ذلك ، ويوجب أيضا أن يكون المستطيعون للحج المؤخرون له بلا عذر مختلفي الاحكام ، فبعضهم آثم في تأخيره ،