الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٣٢٢ - فصل في الأمر بعد الحظر
قال علي : وقد أغفل هذا القائل : قد قال الله تعالى : * ( فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا أو اشربوا ) * فكان الفطر بالاكل والشرب فرضا لا بد منه ، بين ذلك النهي عن الوصال وكذلك قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ) الآية إلى قوله تعالى : ( فإذا طعمتم فانتشروا ) فالانتشار المذكور في هذه الآية هو الخروج عن بيوت النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو فرض لا يحل لهم القعود فيها بعد أن يطعموا ما دعوا إلى طعامه ، وأما الأوامر التي ذكرنا قبل ، فإن دلائل النصوص قد صحت على أنها ندب ، ونحن لا نأبى الاقرار بما أتى به نص بل نبادر إلى قبوله ، وإنما ننكر الحكم بالآراء الفاسدة والأهواء الزائغة بغير برهان من الله عز وجل .
أما قوله تعالى : * ( وإذا حللتم فاصطادوا ) فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حل من عمرته ومن حجه ولم يصطد ، فعلمنا أنه ندب وإباحة ، وأما قوله تعالى : * ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ) فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الملائكة لا تزال تصلي على المرء ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث ، ولم يخص صلاة من صلاة ، فصح أن الانتشار مباح إلا للحدث والنظر في مصالح نفسه وأهله فهو فرض .
وأما قوله عليه السلام في القبور ، فزوروها ، فإن الفرض لا يكون إلا محدودا ، إما موكولا إلى المرء ما فعل منه ، أو محمولا على الطاقة والمعروف ، وليس في زيارة القبور نص بشئ من هذه الوجوه ، ثم لو كان فرضا لكان زائرها مرة واحدة قد أدى فرضه في ذلك ، لما قدمنا في إبطال التكرار .
وأما قوله عليه السلام : فانتبذوا فإنه عليه السلام لم ينتبذ ، لكن كان ينتبذ له ، فصح أن الانتباذ ليس فرضا ، لكنه إباحة ، وأما قوله تعالى : * ( فالآن باشروهن ) * والمباشرة من الرجل لزوجته فرض ولا بد ، ولا يحل له هجرها في المضجع ، ولا الامتناع من وطئها إلا بتجافيها له عن ذلك ، على ما بينا في كتاب النكاح من كلامنا في الاحكام ، والحمد لله رب العالمين .
قال علي : وقد ذهب بعض المالكيين إلى أن ههنا واجبا ليس فرضا ولا تطوعا .
قال علي : وهذا هذيان فاسد لا يعقل أصلا ، لان الواجب هو الذي لا بد من