الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٣٨٠ - فصل في النص يخص بعضه هل الباقي على عمومه ؟
في أنهم حملوا قوله تعالى : * ( انما المشركون نس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) * على الكتابي كما حملوه على الوثني . وإن كان حنفيا تناقض في حمله قوله تعالى : * ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) * الآية على الكتابي كحملهم إياها على الوثني ، وبرهان ذلك قبولهم إسلامهم إن أسلم ، وليس في آية حرب أهل الكتاب إلا * ( حتى يعطوا الجزية ) * فقط . وبالله التوفيق .
ومما احتج به عيسى بن أبان في قوله : إن النص إذا خص منه شئ وجب حمل سائره على الخصوص - أن قال : إن ذلك مثل شاهدين جرحا بقصة ما ، فوجب على سائر شهادتهما في كل شئ قال علي بن أحمد : وهذا القول فمع ما فيه من الاضطراب وتشبيهه بشئ لا يشبهه ، إقدام عظيم على الله عز وجل وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولو كان القياس حقا - وقد أعاذ الله تعالى من ذلك - لكان هذا القياس أحمق قياس في الأرض ، فكيف والقياس كله باطل . ولله تعالى الحمد .
فيقال لعيسى : ليت شعري ما الذي شبه كلام الله تعالى ، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم الذي ألزمنا الله تعالى توقيره والطاعة له ، وحرم علينا معصيته - بكلام فاسقين قد ثبت جرحتهما ، وقد أمرنا تعالى ألا نقبل خبرهما . بل لقائل هذا القول المردود مثل السوء ، ولله تعالى ولرسوله المثل الاعلى ، وهلا قال إذ لم يوفقه الله تعالى لقبول الحق : إن النص الذي خص بعضه بمنزلة شاهدين عدلين شهدا لأبيهما فلم يقبلا على مذهبه الفاسد ، فلا يكون ذلك موجبا لرد شهادتهما في سائر ما شهدا به لغير أبيهما ، فهذا قياس أصح من قياسه لو كان القياس حقا ، فكيف والقياس باطل كله فاسد ، إلا أن الذي علمناهم أمثل لأننا مأمورون بقبول شهادة العدلين كما نحن مأمورون بقبول النص الوارد من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والعمل به ؟ فإذا سقط عنا قبول ما شهدا به لدليل قام على ذلك في بعض المواضع ، لم يوجب ذلك سقوط سائر شهادتهما في سائر المواضع ، وكذلك النص اللازم لنا قبوله إذا قام دليل على سقوط بعضه في بعض المواضع لم يكن ذلك موجبا لسقوط باقيه وسائره . فهذا أشبه مما قال ، لان الجرح الذي نظر به مسقط العدالة بالجملة ، وليس خصوص النص بمسقط للعمل به جملة .