الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٢٩٢ - فصل في كيفية ورود الأمر
* ( كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا ئ من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا ) * فصح أن الوحي كله من يترك ظاهره فقد أعرض عنه ، وأقبل على تأويل ليس عليه دليل . وقال تعالى : وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون وكل من صرف لفظا عن مفهومه في اللغة فقد حرفه .
وقد أنكر الله تعالى ذلك في كلام الناس بينهم فقال تعالى : * ( فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه ) * وليس التبديل شيئا غير صرف الكلام عن موضعه ورتبته ، إلى غيرها ، بلا دليل من نصر أو إجماع متيقن عنه صلى الله عليه وسلم . وقال تعالى :
( يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا ) * فصح أن اتباع الظاهر فرض ، وأنه لا يحل تعديه أصلا . وقال تعالى : * ( يا أيها الذين يحب المعتدين ) * .
والاعتداء هو تجاوز الواجب ، ومن أزاح اللفظ عن موضوعه في اللغة التي بها خوطبنا بغير أمر من الله تعالى ، أو رسوله صلى الله عليه وسلم ، فعداه إلى معنى آخر ، فقد اعتدى فليعلم أن الله لا يحبه ، وإذا لم يحبه فقد أبغضه ، نعوذ بالله من ذلك . وقال تعالى : * ( يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ) * وقال تعالى : * ( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ) * .
وقد أخبر تعالى أنه : * ( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ) * فنص نصا جليا لا يحتمل تأويلا ، على أنه علق كل مسمى اسما مخصوصا به ، وكذلك من حدود الله تعالى التي قد أخبر أنه من تعداها فهو ظالم ، وأنه يدخله نارا - وأهل ذلك هم - لاقدامهم على الباطل الذي لا يخفى على ذي لب ، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان ، ونسأله التوفيق ، فكل شئ يبدله لا إله إلا هو ، فلا موفق إلا من هدى ، ولا ضال إلا من خذل . ولله تعالى في كل ذلك الحجة البالغة علينا . ولا حجة لنا عليه . ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون . وحسبنا الله ونعم الوكيل .
وقال تعالى : * ( اتبع ما أوحي إليك من ربك ) * فأمره باتباع الوحي النازل وهو