الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٣٧٤ - فصل في النص يخص بعضه هل الباقي على عمومه ؟
أن نفهم استقبال الكعبة والآتيان بأربع ركعات للظهر في كل ركعة سجدتان ، وثلاث للمغرب من قوله تعالى : * ( وأقيموا الصلاة ) * ولا في وسعنا أن نفهم إعطاء شاة من خمس من الإبل ، وما يجب من الزكاة من البقر والغنم من قوله تعالى :
* ( آتوا الزكاة ) * ولأجل هذا النص منعنا من أن يكون تعالى يكلفنا ما لا نطيق ، وأما لو شاء ذلك تعالى لكان حسنا في العقل ، ولو أنه تعالى كلفنا شرب ماء البحر في جرعة ، ثم يعذبنا إن لم نفعل لكان ذلك عدلا وحقا ، ولكنه تعالى قد تفضل علينا وآمننا من ذلك ولم يكلفنا ما لا نطيق ، فله الحمد والشكر لا إله إلا هو .
وكذلك قوله تعالى : * ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) * ليس فيها بيان كيفية تلك الصدقة ، ولا متى تؤخذ أفي كل يوم أم في كل شهر أم في كل عام ؟
أم مرة في الدهر ؟ ولا مقدار ما يؤخذ ولا من أي مال ، ففي قوله تعالى : * ( من أموالهم ) * عمومان اثنان أحدهما : الأموال ، والثاني : الضمير الراجع إلى أرباب الأموال ، فأما عموم الأموال : فقد صح الاجماع المنقول جيلا جيلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يوجب الزكاة إلا في بعض الأموال دون بعض ، مع أن نص الآية يوجب ذلك ، لأنه إنما قال تعالى : * ( خذ من أموالهم ) * فالظاهر يقتضي أن ما أخذ مما قل أو كثر فقد أخذ من أموالهم كما أمر ، وقوله عليه السلام إذ سئل عن الحمير : أفيها زكاة أم لا على أن هذا اللفظ ليس مرادا به جميع الأموال وقد قال عليه السلام : إن أموالكم عليكم حرام وقال عليه السلام : كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ، ونص عليه السلام على أنه لا يحل له أخذ مال أحد إلا بطيب نفسه وليست الزكاة كذلك ، بل هم مقاتلون إن منعوها .
وأيضا فإن لفظة : * ( من ) * في قوله تعالى : * ( من أموالهم ) * إنما هي للتبعيض وأيضا فلو كانت الأموال مرادة على عمومها لكان ذلك ممتنعا ، لان ذلك كان يوجب الاخذ من كل برة ، ومن كل خردلة ، ومن كل سمة ، لان كل ذلك أموال ، فلما صح بكل ما ذكرنا أنه تعالى لم يرد كل مال وجب طلب معرفة الأموال التي تجب فيها الزكاة ، ومقدار ما يؤخذ منها ، ومتى يؤخذ من نص آخر ، أو من الاجماع إذ قد ثبت أن المأخوذ هو شئ من بعض ما يملكونه ، فلا بد من بيان ذلك الشئ المراد ، فإنه إذا أخذ شئ يقع عليه اسم شئ واحد من جميع أموالهم ، فقد أخذ