الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٣٤٧ - الباب الثالث عشر في حمل الأوامر على العموم
وهذا أمر معلوم لا ينكره ذو عقل ، وقد يحسن ذلك الشريعة أيضا من طالب راحة أو تخفيف ، كما سأل ابن أم مكتوم إذ نزلت آية المجاهدين ، فطلب أن يخرج له عذر من عموم اللفظ الوارد ، وقد كان له كفاية في غير هذه الآية في قوله تعالى : * ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ) * وما أشبه ذلك ، وكسؤال العباس في الإذخر فاستثنى من العموم في النهي عن أن يختلى خلا الحرم بمكة ، وقد يحسن أيضا الاستفهام في العدد ، كقول القائل : أتاني عشرة من الناس في أمر كذا فيقول له السامع : أعشرة ؟ فيقول : نعم وذلك نحو قول الله عز وجل : * ( ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ) * فقد كنا نعلم لو لم يذكر تعالى العشرة ، إن ثلاثة وسبعة عشرة ، وقد كنا نعلم بقوله تعالى : * ( تلك عشرة ) * إنها عشرة ، ولكنه تعالى ذكر * ( كاملة ) * كما شاء ، فلما صح كل ما ذكرناه وحسن الاستفهام عن اسم واحد ، وعن العدد وهو لا يحتمل صرفا عن وجهه أصلا ، ولم يكن ذلك مجيزا لوقوع اسم الواحد على أكثر من واحد ، وكذلك في العدد - لم يكن أيضا وقوع الاستفهام في العموم ، موجبا لاسقاط حمله على العموم ، وبالله تعالى التوفيق .
وقالوا أيضا : أرأيتم قولكم بالعموم ؟ أبعموم قلتموه وعلمتم صحته ، أم بغير عموم ؟
قال علي : وهذا من الهذيان الذي قد تقدم إبطالنا إياه في كلامنا في حجة العقل ، وهو سخف أتى به بعض السوفسطائيين القاصدين إبطال الحقائق ، وهو ينعكس عليهم في قولهم بالخصوص وفي قولهم بالوقف ، فيقال لهم : أرأيتم قولكم بالوقف ، أبو قف قلتموه وعلمتموه أم بغير وقف ؟ وأرأيتم قولكم بالخصوص ، أبخصوص قلتموه وعلمتموه أم بغير خصوص ؟ والجواب الصحيح المبين لجهلهم : هو أننا نقول ، وبالله تعالى التوفيق : إنما قلنا بالعموم استدلالا بضرورة العقل الحاكم بأن اللغة إنما هي رتبت لكل معنى في العالم ، عبارة مبينة عنه موجبة للتفاهم بين المخاطب والمخاطب ، ولأننا وجدنا الأجناس العامة للأنواع الكثيرة ، ووجدنا الأنواع العامة للأشخاص الكثيرة - يخبر عنها بأخبار ، وترد فيها شرائع لوازم ، فلا بد ضرورة من لفظ يخبر به عن الجنس كله ، وهذا لا بد منه ، وإلا بطل الخبر عن الأجناس ، وهذا ما لا سبيل إليه أصلا ،