الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٢٧٠ - الباب الثاني عشر في الأوامر والنواهي الواردة في القرآن والحديث والأخذ بظاهرها وحملها على الوجوب والفور وبطلان التأويل
قال : أبو محمد ويقال لمن قال يعرف أن الامر على الوجوب إذا اقترن به وعيد : اعلم أن الوعيد من الله عز وجل قد اقترن بجميع أوامر نبيه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : فيحذر الذين مخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم فاقترن التحذير من الفتنة والوعيد ، بكل من خالف أمره عليه السلام .
قال علي : واعترض بعضهم في ذلك بأن قال : لما صح في أن أوامره عليه السلام ، ما لا يصيب مخالفه عذاب أليم ، وهو أمر كان معناه الندب ، علمنا أن الوعيد المحذر منه إنما هو فيما كان من الأوامر معناه الوجوب فقط ، وأن هذه الآية لا توجب كون جميع أوامره فرضا ، وإن كان ذلك ، فقد بطل أن يكون حجة في حمل الامر على الوجوب .
قال علي : فيقال له وبالله تعالى التوفيق : إن ما خرج من الأوامر عن استحقاق العذاب المنصوص في الآية على تركه ، بخروجه إلى معنى الندب ، إنما هو مستثنى من جملة ما جاءت الآية به ، بمنزلة المنسوخ الخارج عن الوجوب ، فلا يبطل ذلك بقاء سائر الشريعة على الاستعمال ، وكذلك خروج ما خرج بدليله إلى الندب ليس بمبطل بقاء ما لا دليل على أنه ندب ، على استحقاق العذاب على تركه ، إلا أن الوعيد قد حصل مقرونا بالأوامر كلها ، إلا ما جاء نص أو إجماع متيقن منقول إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا وعيد عليه ، لأنه غير واجب ولا يسقط من كلام الله تعالى إلا ما أسقطه وحي له تعالى آخر فقط .
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني ، ثنا أبو إسحاق البلخي ، عن الفربري ، عن البخاري ، ثنا محمد بن سنان ، ثنا فليح ثنا هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى . قالوا : يا رسول الله ومن يأبى ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى .
قال علي : يسأل من قال : إن الأوامر لا تحمل على الوجوب إلا بدليل ، ما معنى المعصية ، فلا بد له من أن يقول : هي ترك المأمور أن يفعل ما أمره به الآمر ، فإذا لا بد من ذلك . فمن استجاز ترك ما أمره به الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم ،