الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٣٦٥ - فصل في بيان العموم والخصوص
بالعداوة للمسلمين وآخرين من غيرهم مكاتمين بها فلم يكن حمل لفظة دون في الحديث المذكور على معنى أقل ، أولى من حملها على معنى غير ، فوجب حملها على كلا المعنيين جميعا ، وقد تناقض في ذلك أصحابنا ، فلم يحملوها إلا على معنى : أقل ، فقط .
قال علي : وهذا ترك منهم لقولهم بالعموم ، وحمل لفظة دون على معنى غير أولى ، لان حملها على معنى غير يقضي في جملته أقل فهو القول بالعموم ، لان الأقل من خمسة أوسق هو أيضا غير الخمسة الأوسق ، وبالله تعالى التوفيق .
قال علي : فهذه أقسام مفهوم الكلام ، وقد جعل قوم قسما رابعا : فقالوا :
وخصوص يراد به العموم .
قال علي : وهذا خطأ ، وليس هذا موجودا في اللغة ، وسنستوعب الكلام في هذا إن شاء الله تعالى في باب الكلام في القياس ، وفي باب دليل الخطاب بحول الله وقوته ، فإن اعترضوا علينا بأحاديث وردت في رجال بأعيانهم ، ثم صار حكمها عندنا على جميع الناس ، فليس ذلك بما ظنوا ، ولكن جميع تلك الأحاديث فيها أحكام في أحوال توجب الاخذ بذلك في أنواع تلك الأحوال ، اتباعا للفظ الحكم المعلق على المعنى المحكوم فيه ، وقد بينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبعث ليحكم على أهل عصره فقط ، لكن على كل من يأتي إلى يوم القيامة ، وفي كل ما يحدث من جسم أو عرض إلى انقضاء الدنيا ، ولا سبيل إلى أن يبقي عليه حيا إلى أن يلقى كل أحد ، فكان حكمه على إنسان في حال ما ، حدثت له أو منه ، حكما في وقوع تلك الحال كما قلنا .
ويبين ذلك الحديث الذي فيه : هو جبريل أتاكم يعلمكم دينكم أجل بيان وأوضحه ، في أن كل خطاب منه صلى الله عليه وسلم لواحد فيما يفتيه به ، ويعلمه إياه هو خطاب لجميع أمته إلى يوم القيامة ، وتعليم منه عليه السلام لكل من يأتي إلى انقضاء الدنيا ، لان ذلك الحديث إنما خرج بلفظ تعليم الواحد في قوله صلى الله عليه وسلم : أن تعبد الله كأنك تراه .
ويكفينا من هذا الحديث قوله عليه السلام - أثر جوابه لجبريل عليه السلام - إن هذا الذي ذكر تعليم لهم ، فأشار إلى الخطاب المتقدم للواحد ، وبين ذلك أيضا