الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٣٧٢ - فصل في الوجوه التي تنقل فيها الأسماء عن مسمياتها
ذكرنا - واجب لأنه أخذ في كل ذلك بالظاهر الوارد وبالنص الزائد ، فلم يخرج عن الظاهر في كل ذلك ، ووجب إذا عدم دليل منها ألا ينقل شئ من الخطاب عن ظاهره في اللغة ، وأما من خصص الظاهر أو العموم بقياس ، أو بدليل خطاب ، أو بقول صاحبه ، فذلك باطل ، وسنبين ذلك في الأبواب المذكورة إن شاء الله تعالى . وقد قال تعالى : * ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) * فلاح أن لا بيان إلا بنص أو بضرورة عقل كما قدمنا ، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو التالي علينا القرآن فهو المبين به ، وهو الآمر لنا بالسنن المبينة علينا ، وهو الآمر باتباع القرآن والسنن والاجماع ، وهو عليه السلام الذي نص علينا في القرآن إيجاب استعمال العقل والحس .
وقد ذكرنا في باب الاخبار من هذا الكتاب كيف التخصيص بالآية للآي وللحديث ، وبالحديث للآي وللحديث .
قال علي : ومن التخصيص بالاجماع قوله تعالى : * ( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) * فلما أجمعت الأمة بلا خلاف أنهم إن بذلوا فلسا أو فلسين لم يجز بذلك حقن دمائهم ، ولا خرجوا عن إيجاب قتلهم ، وحتى لو كثر القائلون بذلك ، واشتهر فضلهم ما وجب أن يعتد بهذا القول ، لأنه لم يأت به قرآن ولا سنة ، ولكن لما قال تعالى : * ( حتى يعطوا الجزية ) * بالألف واللام ، وهما في اللغة التي بها نزل القرآن للعهد والتعريف - علمنا أنه أراد تعالى جزية معلومة معهودة ، وبين ذلك بقوله تعالى : * ( الجزية ) * بالا لف واللام ، والألف واللام في لغة العرب لا يقع إلا على معهود ، وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بأخذ دينار من كل محتلم منهم ومحتلمة ، علمنا أن ما دون الدينار ليس هو الجزية المحرمة لدمائهم وأموالهم ، ولم يكن لأقصى الجزية وأكثرها حد يوقف عنده فيدعى فيه وجوبه بالاجماع ، فإن يحيى بن آدم وعطاء بن رباح ، وعمرو بن دينار ، وسفيان الثوري ، كلهم يقول : ليس لأكثر الجزية حد ، وإنما هو ما ترضوا به ، فلما كان اسم الجزية يقع على الدينار وجب قبوله ممن لا يقدر على أكثر منه ، ولزم المصالحين ما صالحوا عنه وهو أكثر من الدينار ، ووجب أن يفرض على من يطيق أكثر من دينار من أهل العنوة ما أطاق ، ما لا يجحف به .